رحلة إنسانية في كتاب «حكايات لا تُرى» .. كيف تقدم ولاء تحسين عالم ذوي الهمم؟


منصور السالمي – الساعة عربية
في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى ترسيخ ثقافة الدمج المجتمعي وتجاوز الصور النمطية المرتبطة بالإعاقة .. تقدم الكاتبة والصحفية د. ولاء تحسين تجربة أدبية جديدة من خلال كتابها «حكايات لا تُرى»، الذي وقّعته يوم الجمعة 6 نوفمبر 2026، ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب، في جناح دار حياة الكتب للنشر، ليكون إصدارها السادس، ويمثل محاولة للانتقال بقضية ذوي الهمم من مساحة الحديث عنهم إلى مساحة أوسع تتيح فهم تجاربهم الإنسانية والاستماع إلى أصواتهم.
لا يتعامل الكتاب مع الاختلاف باعتباره حاجزًا يفصل الإنسان عن محيطه، بل ينطلق من رؤية إنسانية تضع الفرد في مقدمة الصورة، بما يحمله من مشاعر وطموحات وقدرات وتطلعات .. ومن هذه الزاوية، تتجاوز التجربة حدود تقديم مجموعة من القصص، لتطرح تساؤلات حول الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى ذوي الهمم، ومدى قدرته على تجاوز الأحكام المسبقة التي قد تحجب حقيقة الإنسان خلف ظروفه أو اختلافه.
عشرون حكاية في ستة فصول.. الإنسان قبل الصورة النمطية
يضم «حكايات لا تُرى» عشرين حكاية إنسانية موزعة على ستة فصول، تتناول مجموعة من الموضوعات المرتبطة بالحياة اليومية والتجربة الإنسانية، من المشاعر والعلاقات إلى التحديات والفرص، وصولًا إلى الاستقلالية والاندماج المجتمعي.
وتحمل الفصول عناوين تعكس المسار الفكري الذي يتحرك فيه الكتاب، وهي: «حين ترى الإنسان قبل الاختلاف»، و«بين الحب والخوف»، و«لغات لا تُسمع بالكلمات»، و«الفرص التي تفتح الأبواب»، و«الاستقلال والاختيار وبناء الحياة»، و«مجتمع يتسع للجميع».
ويكشف هذا التقسيم عن اتساع الموضوعات التي يتناولها العمل؛ إذ لا يحصر تجربة ذوي الهمم في التحديات المرتبطة بالإعاقة، وإنما يقترب من جوانب متعددة في حياتهم، تشمل العلاقات الإنسانية، والتواصل، والحق في الاختيار، والقدرة على بناء مسارات مستقلة.
وتبرز أهمية هذه المعالجة في أنها تبتعد عن اختزال الأشخاص في احتياجاتهم أو ظروفهم، وتعيد التأكيد على أن لكل إنسان عالمه الخاص، وأن فهم هذا العالم يتطلب معرفة حقيقية وتجربة إنسانية تتجاوز الانطباعات السريعة.
من التعاطف إلى الاعتراف بالحقوق والقدرات
تقوم الفكرة المحورية للكتاب على أن بعض الحواجز التي يواجهها ذوو الهمم لا ترتبط بالظروف وحدها، وإنما تتشكل أيضًا بفعل تصورات اجتماعية سابقة على المعرفة والتجربة. فالأحكام المسبقة قد تضع الإنسان داخل إطار محدد، قبل أن تتاح له الفرصة للتعبير عن نفسه أو إثبات قدراته أو اتخاذ قراراته.
وهنا تطرح التجربة قضية تتجاوز حدود الأدب إلى المجال الاجتماعي والثقافي، وهي الفارق بين التعاطف مع الأشخاص ذوي الإعاقة والاعتراف الكامل بحقوقهم وإمكاناتهم.
فالتعاطف، على أهميته، لا يكفي وحده لبناء مجتمع أكثر شمولًا، ما لم يصاحبه إيمان بحق الفرد في التعليم والعمل والاستقلال والمشاركة، وفي أن يكون طرفًا فاعلًا في تحديد اختياراته ورسم مستقبله.
ومن هذا المنطلق، يكتسب عنوان «حكايات لا تُرى» دلالة تتجاوز معناه المباشر؛ فالحكايات التي لا تصل إلى الجمهور ليست بالضرورة غائبة، وإنما قد تكون محجوبة خلف الصور الشائعة والتصورات الجاهزة، أو بسبب عدم إتاحة المساحة الكافية لأصحاب التجارب أنفسهم كي يرووا ما يعيشونه.
لماذا اختارت ولاء تحسين أسلوب الحكاية؟
اختارت د. ولاء تحسين تقديم رسائل الكتاب من خلال الحكايات الإنسانية، انطلاقًا من إيمانها بأن بعض المعاني يصعب نقلها عبر المعلومات المجردة، وأن القصة تتيح للقارئ الاقتراب من التجربة وفهم أبعادها بصورة أكثر عمقًا.
وتوضح الكاتبة أن خلف كل تجربة حكاية، وخلف كل إنسان عالمًا من المشاعر والطموحات والقدرات، مشيرة إلى أن الإصغاء الحقيقي يكشف جوانب لا تستطيع النظرة الأولى إدراكها.
وتضيف هذه الرؤية بعدًا مهمًا إلى طريقة تناول قضايا الإعاقة في المحتوى الثقافي والإعلامي؛ فالمعلومات والأرقام تساعد على فهم حجم الظاهرة، لكنها لا تكشف وحدها تفاصيل التجربة الإنسانية، ولا تنقل بالضرورة ما يواجهه الأفراد من مشاعر وتحديات وطموحات.
ومن هنا، يمكن قراءة اختيار القصة باعتباره محاولة لتقريب المسافة بين القارئ والتجارب التي قد لا يعرف عنها الكثير، وإتاحة فرصة للتفاعل مع الإنسان بعيدًا عن التصنيفات العامة.
ولا تتوقف الحكايات عند سرد المواقف، إذ تختتم كل واحدة منها برسالة توعوية وسؤال يدعو إلى التأمل والتفكير، في محاولة لإبقاء أثر التجربة حاضرًا بعد انتهاء القراءة، وتحويل التفاعل مع النص إلى فرصة لمراجعة بعض الأفكار والمواقف اليومية.
الأدب وقضايا الدمج.. مساحة تتجاوز حدود الكتاب
يأتي «حكايات لا تُرى» في سياق ثقافي واجتماعي تتزايد فيه أهمية الأدب الذي يقترب من القضايا الإنسانية، ولا يكتفي بتقديمها باعتبارها موضوعات عامة، بل يحاول الكشف عن تفاصيلها وتأثيرها في حياة الأفراد وعلاقاتهم بالمجتمع.
وتتصل هذه الأهمية بقضية التمثيل الثقافي لذوي الهمم؛ فمن الضروري ألا يقتصر حضورهم في الإنتاج الأدبي والإعلامي على كونهم موضوعًا للحديث أو مادة للتعاطف، بل أن يمتد إلى الاعتراف بتنوع تجاربهم وحقهم في التعبير عن أنفسهم والمشاركة في تشكيل الصورة التي يقدمهم بها المجتمع.
كما أن الحديث عن الاستقلال والاختيار في أحد فصول الكتاب يفتح مجالًا للتفكير في مفهوم الدمج بصورة أوسع؛ فالاندماج الحقيقي لا يتحقق بمجرد وجود الأشخاص ذوي الإعاقة داخل المؤسسات أو الفعاليات العامة، وإنما يرتبط بمدى توافر الفرص المناسبة لهم، واحترام قراراتهم، وإزالة الحواجز التي تحد من مشاركتهم.
ومن هذه الزاوية، لا تقتصر قيمة العمل على الرسائل التي يحملها، بل تمتد إلى الموضوعات التي يضعها أمام القارئ، والأسئلة التي يثيرها بشأن مسؤولية المجتمع في توفير بيئة أكثر عدالة واتساعًا للجميع.
الإصدار السادس في معرض الشارقة.. محطة جديدة في تجربة الكاتبة
يمثل توقيع «حكايات لا تُرى» الإصدار السادس للكاتبة والصحفية د. ولاء تحسين، ومحطة جديدة في مسيرتها الأدبية، من خلال عمل يختار قضية ذات امتداد إنساني ومجتمعي، ويقدمها عبر قالب قصصي يستهدف الوصول إلى القارئ وإشراكه في التفكير في تجارب الآخرين.
ويمنح معرض الشارقة الدولي للكتاب، بما يمثله من مساحة لالتقاء الكتاب والناشرين والقراء، فرصة لطرح مثل هذه الأعمال أمام جمهور متنوع، بما يتيح انتقال الأفكار من صفحات الكتب إلى النقاش الثقافي الأوسع.
وفي المحصلة، يطرح «حكايات لا تُرى» سؤالًا يتجاوز حدود القراءة: هل نرى الإنسان كما هو، بما يمتلكه من قدرات وأحلام واختيارات، أم نكتفي بالصورة التي رسمتها عنه تصوراتنا المسبقة؟
قد تكون الإجابة عن هذا السؤال هي المساحة الأهم التي يتركها الكتاب أمام قارئه؛ فتمكين ذوي الهمم لا يبدأ فقط بإتاحة الفرص والخدمات، وإنما يبدأ أيضًا بتغيير طريقة النظر إليهم، والاعتراف بأنهم شركاء أصيلون في الحياة والمجتمع والثقافة. ومن هنا، تبدو تجربة ولاء تحسين محاولة لإضافة صوت أدبي إلى حوار إنساني لا تزال الحاجة إليه قائمة، حوار يجعل الاختلاف جزءًا من تنوع الحياة، لا سببًا للإقصاء أو التهميش.
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2026
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء
تابِعنا
© 2026 الساعة عربية — جميع الحقوق محفوظة
تصميم وتطوير الموقع بواسطة ملهم الأثر لإدارة التسويق






















