الخطيب- ساويرس- ميسي- ماسكالخطيب- ساويرس- ميسي- ماسك
السرطان في حياة المشاهير: بين الصمود والانهيار – قصص حقيقية – القائمة صادمةالسرطان في حياة المشاهير: بين الصمود والانهيار – قصص حقيقية – القائمة صادمة
محمد أبو تريكةمحمد أبو تريكة

من حق الكفيف أن يعيش الكتاب

8/17/2026

بقلم: د. ولاء تحسين | دبي – الإمارات العربية المتحدة

كان لي زميل في الجامعة يحب أن يصف لي الألوان .. كنت أستمع إليه وأتساءل: كيف يستطيع الإنسان أن يصف شيئًا لا يراه ؟ .. كان يجعل اللون يبدو وكأنه إحساس، وكأنه شيء تستطيع الكلمات أن تقترب منه، حتى وإن عجزت عن الإمساك به تمامًا.

وقال لي زميل آخر جملة لم أنسها: «أنا أميز الأشياء من رائحتها... حتى الكتب».

توقفت طويلًا عند هذه الجملة. كتاب؟ كيف يمكن أن تكون للكتاب رائحة يعرفها الإنسان ويميزه بها، حتى قبل أن يقرأه؟

ربما لأن الكتاب بالنسبة إلينا ليس كلمات فقط .. نحن نرى غلافه قبل أن نقرأه، ونلمس صفحاته، ونقلبها، ونشعر بملمس الورق، وقد تبقى رائحته في ذاكرتنا دون أن ندرك ذلك. وقد يرتبط كتاب معين بطفولتنا، أو بمكان، أو بشخص أهداه لنا، أو بمرحلة من حياتنا.

عندها بدأت أتساءل: ماذا يأخذ الكفيف من الكتاب عندما نعطيه محتواه فقط؟

لقد قطعت البشرية خطوات كبيرة في جعل المعرفة أكثر وصولًا إلى المكفوفين .. هناك طريقة برايل، والكتب الصوتية، وقارئات الشاشة، والكتب الرقمية، وغيرها من الوسائل التي جعلت القراءة أكثر سهولة وإتاحة .. وهذه إنجازات عظيمة لا يمكن التقليل من قيمتها.

لكنني لا أتحدث هنا عن الوصول إلى الكلمات فقط، وإنما عن الوصول إلى الكتاب نفسه .. فثمة فرق بين أن تعرف ماذا يقول الكتاب، وبين أن تشعر أنك أمسكت كتابًا بين يديك، وتعرف غلافه، وتقلب صفحاته، وتكتشف تفاصيله بطريقتك الخاصة.

ومن هنا جاءتني فكرة تبدو بسيطة، لكنها تحمل في داخلي معنى كبيرًا: لماذا لا نصمم بعض الكتب بحيث لا تكون مجرد نص مكتوب بطريقة برايل، وإنما تجربة يمكن اكتشافها بالحواس؟ غلاف يمكن التعرف إلى تفاصيله باللمس، وصور يمكن تحويلها، حيثما أمكن، إلى أشكال وعناصر ملموسة، وصفحات تحمل الكلمات بطريقة برايل، إلى جانب عناصر تساعد القارئ على استكشاف الكتاب بوسيلته الخاصة. وقد يحتوي الكتاب أيضًا على مواد صوتية مرتبطة ببعض صفحاته، بحيث تصبح القراءة تجربة متعددة الحواس.

وليس الهدف أن نجعل الكفيف يرى الكتاب كما نراه نحن، وإنما أن نجعل للكتاب طريقًا يصل به إليه. فالاختلاف في طريقة القراءة لا يعني اختلافًا في قيمة التجربة.

ومن هنا أتخيل معرضًا للكتاب مختلفًا؛ معرضًا لا يدخل إليه الكفيف ليجد مجموعة من الكتب في ركن جانبي مخصص له، وإنما يدخل ليجد نفسه وسط تجربة ثقافية حقيقية .. يمد يده إلى كتاب، يتعرف إلى غلافه، يمرر أصابعه على حروفه، يقلب صفحاته، يستمع إلى جزء منه إذا أراد، ويتعرف إلى محتواه من خلال أكثر من حاسة، ثم يختار الكتاب الذي يريده بإرادته، تمامًا كما يفعل أي قارئ آخر.

وأتمنى ألا يكون هذا الجناح مخصصًا للمكفوفين وحدهم، بل أن يدخل إليه المبصر أيضًا ليعيش تجربة مختلفة؛ أن يلمس طريقة برايل، ويحاول قراءة صفحة بأصابعه، ويتعرف إلى صورة صُممت لتُفهم باللمس .. ربما عندها ندرك أن العالم الذي اعتدنا أن نراه بأعيننا يمكن أن يُكتشف بطرق أخرى، وأن البشر لا يقرؤون العالم بالطريقة نفسها.

ومن الكتاب يمكن أن نصل إلى الصحيفة. لماذا لا يكون للكفيف صفحة برايل في صحيفته؟ صفحة ثابتة أو دورية تقدم موجزًا لأهم الأخبار والمقالات والموضوعات الثقافية التي نشرتها الصحيفة، بحيث يستطيع أن يعرف ما يحدث حوله، وأن يختار ما يريد متابعته.

قد يقول البعض إن النسخ الرقمية والصوتية توفر هذه المعلومات، وهذا صحيح. لكن الفكرة هنا تتجاوز مجرد نقل المعلومة؛ إنها تقول للقارئ الكفيف بوضوح: هذه صحيفتك أيضًا.

بل يمكن أن تكون هذه الصفحة مساحة يكتب فيها المكفوفون أنفسهم، ويشاركون بآرائهم وتجاربهم، ويقدمون مراجعات للكتب، ويتحدثون عن القضايا التي تهمهم .. عندها لا يعود الكفيف مجرد متلقٍ للمحتوى، وإنما يصبح مساهمًا في صناعته، حاضرًا بصوته ورؤيته في المشهد الثقافي والإعلامي.

ولا يتعلق الأمر بإنشاء مكتبات جديدة لمجرد إنشاء مكتبات؛ فهناك بالفعل تجارب كثيرة في العالم توفر كتب برايل والكتب الميسرة والمكتبات الرقمية .. الجديد الذي يستحق التفكير هو الانتقال من إتاحة المحتوى إلى إتاحة التجربة؛ من أن نتيح للكفيف الكلمات فقط، إلى أن نتيح له أن يعيش الكتاب والثقافة والإعلام بطريقة يشعر معها بأنه جزء أصيل منها.

لقد علّمني زميلاي أن القراءة ليست دائمًا عينين تتحركان فوق السطور؛ قد تكون أصابع تبحث عن حرف، أو أذنًا تصغي إلى قصة، أو يدًا تقلب صفحة، أو ذاكرة تحتفظ برائحة ورق .. وهنا يكمن المعنى الحقيقي لإتاحة القراءة: ألا نمنح الإنسان الكلمات فقط، بل أن نمنحه التجربة التي تجعله يعيش تلك الكلمات، ويشعر بها، ويصنع معها تجربته الخاصة.

اقرأ أيضا

شاهد .. استمتع .. وشارك

اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!

Elsa3h © 2025

حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.

بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء

تابِعنا