القيادة تصنع ولا تنتظر


بقلم: د. ولاء تحسين | دبي – الإمارات العربية المتحدة
ثمة أفكار لا تولد يوم يُعلَن عنها، وإنما يوم تستقر في الوجدان. تظل تنمو بصمت، وتتغذى على التجربة، وتتسع مع الأيام، حتى يأتي الوقت الذي تتجسد فيه واقعًا يراه الناس، بينما يكون عمرها الحقيقي أكبر بكثير من تاريخ ميلادها.
وأنا أقرأ في كتاب «قصتي: في خمسون عامًا» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، توقفت طويلًا أمام ذلك الحوار الذي دار بين الوالد والابن. بدا في ظاهره حديثًا عابرًا في مجلس، لكنه في جوهره كان يؤسس لفلسفة حكمٍ كاملة.
يروي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن والده، المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، كان يخاطب أحد الرجال قائلًا: «أعتقد أنك نشيط ولديك قدرات قيادية، هل تستطيع إطلاق المشروع الفلاني ومتابعته حتى النهاية؟». ثم يروي أنه اعترض بعد المجلس، مستغربًا هذا الوصف لمن لم يكن يراه أهلًا له، فجاءه الجواب الذي تجاوز حدود تلك اللحظة ليصبح منهجًا للحياة: «من أهم صفات الحاكم الناجح أن يحيط نفسه بقادة أقوياء. ونحن نبحث عنهم دائمًا، ولكن عندما لا نجدهم... نصنع نحن القادة. مسؤوليتنا أن نصنع قادة، نعطيهم المسؤولية، ونشجعهم حتى يصبحوا قادة حقيقيين.»
ما أعمق هذا المعنى.
في لحظة واحدة، انهارت فلسفة الانتظار. لم يعد السؤال: أين القائد؟ بل أصبح: كيف نصنعه؟ ولم تعد القيادة موهبة نادرة نترقب ظهورها، بل مسؤولية تقع على عاتق من يؤمن بالإنسان قبل أن يؤمن بقدراته.
عندها أدركت أن مركز محمد بن راشد لإعداد القادة في امارة دبي لم يكن فكرة إدارية أملتها الظروف، بل الامتداد الطبيعي لذلك الحوار القديم. فذلك المجلس لم ينتهِ بانتهاء كلماته، بل ظل صداه يتردد في القرارات، وتجلى في بناء المؤسسات، وترسخ في الإيمان بأن الإنسان هو الثروة التي لا تنضب.
لهذا أرى المركز تجسيدًا لفكرة بدأت بجملة قالها أبٌ لابنه، فحملها الابن في وجدانه سنوات طويلة، ثم أعاد صياغتها مشروعًا يصنع أجيالًا من القادة. هنا تتحول الحكمة إلى مؤسسة، وتتحول الكلمات إلى مستقبل، ويصبح الحوار الذي دار في مجلس قبل عقود حاضرًا في كل قائد أُتيحت له فرصة أن يُكتشف، وأن يُمنح الثقة، وأن يصنع أثره.
ولعل هذا ما جعلني أشعر، وأنا أطوي تلك الصفحات، أنني لم أكن أقرأ سيرة رجل يروي ما أنجز، بل سيرة فكرةٍ كانت تنمو في صمت. فكرة تؤمن بأن بناء المدن يبدأ ببناء الإنسان، وأن أعظم إرث يتركه القائد ليس ما يشيده من عمران فحسب، بل ما يبنيه من إنسان قادر على حمل الراية، وصناعة مستقبل لم يولد بعد.
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء




















