عندما تصبح الإنسانية روح القانون

7/12/2026

بقلم: د. ولاء تحسين | دبي – الإمارات العربية المتحدة

لا تُقاس قوة المؤسسات الأمنية بقدرتها على فرض القانون فحسب، وإنما بقدرتها أيضًا على بناء الثقة مع المجتمع. فالقانون يحقق النظام، لكن الطريقة التي يُطبَّق بها هي التي تصنع شعور الناس بالأمان والانتماء .. وعندما تمتزج المهنية بالإنسانية، يصبح الأمن أكثر من مجرد منظومة لحفظ النظام؛ بل يتحول إلى رسالة تعزز الثقة بين المؤسسة والمجتمع.

ومن خلال سنوات إقامتي في دولة الإمارات العربية المتحدة، أدركت أن كثيرًا من المواقف الإنسانية التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، تترك أثرًا عميقًا في نفوس من يعيشونها .. فهي ليست مجرد تصرفات فردية عابرة، وإنما تعكس ثقافة مؤسسية ترى أن خدمة الإنسان جزء أصيل من رسالة العمل الأمني.

أتذكر موقفًا في إمارة دبي عندما انقطع الاتصال بالإنترنت في هاتفي، بينما كنت بحاجة إلى تحميل تقرير لاستكمال إجراء رسمي .. وفي لحظة لم أتوقعها، بادر أحد ضباط الشرطة إلى مساعدتي، وشارك معي خدمة الاتصال عبر نقطة الاتصال الخاصة به حتى تمكنت من إنجاز ما أحتاج إليه .. لم تكن المسألة مجرد توفير اتصال بالإنترنت، بل كانت رسالة مفادها أن رجل الأمن حاضر لتيسير حياة الناس بقدر حضوره لتطبيق القانون.

وفي موقف آخر بإمارة الشارقة، تعطلت سيارة إحدى صديقاتي أثناء وجودنا على الطريق .. توقفت دورية أمنية للاطمئنان علينا، وكان السؤال الأول: هل أنتن بخير؟ وعندما تبين أن هاتفها يحتاج إلى رصيد للتواصل مع شركة التأمين وطلب المساعدة، بادر أفراد الدورية بشحن الهاتف حتى تتمكن من إنهاء الإجراءات اللازمة .. قد تبدو هذه لفتة بسيطة، لكنها تعكس فهمًا عميقًا لمعنى الخدمة العامة، حيث تكون سرعة الاستجابة والاهتمام بالإنسان جزءًا من المسؤولية.

أما الموقف الذي بقي حاضرًا في الذاكرة، فكان خلال عيد الأضحى المبارك أثناء مراجعة أحد أقسام الشرطة في الشارقة، حين قُدمت لطفلي الصغير عيدية بمناسبة العيد .. قد لا يغيّر هذا التصرف مسار يوم كامل، لكنه بالتأكيد يصنع ذكرى جميلة، ويؤكد أن الاهتمام بالإنسان قد يكون حاضرًا حتى في أكثر الأماكن ارتباطًا بالإجراءات الرسمية.

هذه المواقف، على بساطتها، دفعتني إلى التفكير في حقيقة مهمة؛ وهي أن الثقة في المؤسسات لا تُبنى فقط من خلال الأنظمة والقوانين، بل تُبنى أيضًا من خلال التفاصيل الصغيرة التي يعيشها الناس في حياتهم اليومية .. فالمواطن أو المقيم قد ينسى إجراءً إداريًا مر به، لكنه غالبًا لا ينسى موقفًا إنسانيًا شعر فيه بالتقدير والاحترام.

ولعل هذا هو ما يمنح التجربة الإماراتية خصوصيتها؛ إذ تبدو العلاقة بين المجتمع والمؤسسات الأمنية قائمة على معادلة متوازنة تجمع بين الحزم في تطبيق القانون، والمرونة الإنسانية في التعامل مع الناس .. وهي معادلة تسهم في ترسيخ الثقة، وتعزز شعور الجميع بأن الأمن مسؤولية مشتركة تقوم على الاحترام المتبادل.

فالإنسانية لا تنتقص من هيبة القانون، بل تمنحه بعدًا أعمق وأكثر تأثيرًا .. وعندما تصبح جزءًا من ثقافة المؤسسة، يتحول القانون من نصوص تُطبَّق إلى قيمة يلمسها الناس في تعاملاتهم اليومية .. وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم : أن الأمن الحقيقي لا يصنعه القانون وحده، وإنما تصنعه أيضًا الإنسانية التي تمنح القانون روحه.

اقرأ أيضا

شاهد .. استمتع .. وشارك

اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!

Elsa3h © 2025

حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.

بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء

تابِعنا