عندما يصنع القادة معنى البطولة

7/11/2026

بقلم: د. ولاء تحسين | دبي – الإمارات العربية المتحدة

ليست كل بطولة تُختصر في كأس، ولا كل هزيمة تعني خسارة .. فالتاريخ الرياضي، على امتداده، يخبرنا أن بعض الفرق غادرت المنافسات مرفوعة الرأس، لأنها كسبت ما هو أبقى من الميداليات؛ ثقة جماهيرها، واحترام منافسيها، وتقدير من تابعوا رحلتها.

هذه هي القيمة الحقيقية للرياضة عندما تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، لتصبح أداة لبناء الإنسان وتعزيز الانتماء، وجسرًا يربط بين الشعوب أكثر مما يفرق بينها .. فالنتائج تتغير، والألقاب تنتقل من فريق إلى آخر، أما الصورة التي يتركها الرياضيون في وجدان الناس، فهي التي تصنع التاريخ.

ولعل أحد أهم التحولات التي شهدتها الرياضة الحديثة يتمثل في تغير نظرة الجماهير نفسها .. فالمشجع اليوم لم يعد يبحث فقط عن الفوز، بل عن فريق يعكس شخصيته، ويحترم قميص وطنه، ويقاتل حتى صافرة النهاية .. لذلك، أصبح الإخلاص في الأداء قيمة جماهيرية لا تقل أهمية عن تحقيق الانتصارات.

ومن هذا المنطلق، تبدو التجربة المصرية الأخيرة جديرة بالتأمل .. فقد حملت الجماهير المصرية رسالة واضحة، وهي تساند منتخبها من داخل المدرجات ومن خلف الشاشات، مؤكدة أن دعم المنتخب لا ينبغي أن يكون رهينة لنتيجة مباراة، وإنما تعبيرًا عن الانتماء لوطن يجتمع أبناؤه حول راية واحدة.

كما أن الثقة في الكفاءات الوطنية كانت إحدى الرسائل المهمة في هذه التجربة .. فقد جاء توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بإسناد القيادة الفنية للمنتخب الوطني إلى جهاز فني مصري ليؤكد أن بناء المشروعات الرياضية يبدأ بالإيمان بالقدرات الوطنية .. وعندما تولى الكابتن حسام حسن المسؤولية، ظهر المنتخب بشخصية مختلفة، عنوانها الحماس والانضباط والروح القتالية، وهي عناصر قد لا تضمن الفوز في كل مواجهة، لكنها تؤسس لثقافة رياضية قادرة على الاستمرار.

غير أن المشهد الأكثر دلالة لم يكن في تفاصيل مباراة أو نتيجة، بل في الخطاب الذي أحاط بها .. فحين وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رسالته إلى المنتخب المصري بقوله: "ستعودون أبطالًا لوطنكم العربي... وستبقون أبطالًا في عيون كل العرب."، لم يكن يحتفي بنتيجة رياضية، بل كان يعيد تعريف البطولة نفسها.

هذه الكلمات تختزل فلسفة قيادية ترى أن الرياضة ليست مجرد منافسة على الألقاب، بل مساحة لترسيخ القيم الإنسانية، وتعزيز التقارب بين الشعوب، وإعلاء قيمة الإنسان الذي يبذل أقصى ما لديه دفاعًا عن وطنه .. وهي رسالة تتجاوز حدود منتخب بعينه، لتؤكد أن العالم العربي يحتاج إلى خطاب يحتفي بالجهد والإرادة بقدر احتفائه بالإنجاز.

وفي زمن أصبحت فيه الأحكام تُبنى بسرعة، وتُختزل فيه مسيرة كاملة في نتيجة واحدة، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة التوازن في تقييم الأداء الرياضي .. فالفرق الكبيرة لا تُقاس فقط بما تحققه من بطولات، وإنما بما تتركه من إرث، وبقدرتها على ترسيخ ثقافة العمل والانضباط والانتماء لدى أجيال كاملة.

ولهذا، فإن البطولة الحقيقية لا تبدأ عند منصة التتويج، ولا تنتهي مع صافرة الحكم الأخيرة .. إنها تبدأ عندما يشعر الشعب أن من يمثله قدم كل ما يملك بإخلاص، وتكتمل عندما يصبح ذلك الأداء مصدر احترام يتجاوز الحدود الجغرافية، كما حدث في المشهد الذي جمع محبة المصريين وتقدير الأشقاء العرب.

قد تحمل الكأس اسم بطل واحد، لكن التاريخ يحتفظ أيضًا بأسماء أولئك الذين جعلوا من الرياضة رسالة، ومن المنافسة شرفًا، ومن الإخلاص قيمة لا تهزمها النتائج. وتلك، في النهاية، هي البطولة التي تبقى.

اقرأ أيضا

شاهد .. استمتع .. وشارك

اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!

Elsa3h © 2025

حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.

بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء

تابِعنا