حين يصبح الصوت جسرًا بين المواطن والمسؤول


بقلم : د. ولاء تحسين
هناك أوطان تكتفي بسماع أصوات الناس، وأوطان أخرى تجعل من الاستماع إليهم منهجًا في الإدارة، وأساسًا في صناعة القرار. وفي مثل هذه الأوطان، لا تكون الكلمة مجرد رأي يُقال، بل قد تتحول إلى فكرة تُناقش، أو ملاحظة تُدرس، أو مبادرة تنعكس أثرًا ملموسًا على أرض الواقع.
ولعل هذا ما يميز دولة الإمارات، التي رسخت، على مدار سنوات، ثقافة تقوم على تقريب المسافة بين المجتمع والمسؤول، وإتاحة قنوات مباشرة تُمكّن الجميع من إيصال آرائهم وملاحظاتهم بكل شفافية واحترام .. فالمشاركة المجتمعية هنا ليست ترفًا، بل جزء أصيل من منظومة العمل، وشراكة حقيقية في رحلة التطوير المستمر.
ومن بين النماذج التي جسدت هذه الفلسفة، يأتي برنامج «البث المباشر»، الذي تحول عبر السنوات إلى أكثر من مجرد برنامج إذاعي؛ إذ أصبح منصة مجتمعية، وجسرًا للتواصل، وصوتًا ينقل هموم الناس ومقترحاتهم إلى الجهات المعنية، في إطار من المهنية والمسؤولية.
تجربة صنعت قناعة
قبل سنوات، وبينما كنت أمر بشارع التعاون في إمارة الشارقة، استوقفني مشهد متكرر لمشاة يعبرون الطريق الرئيس وسط حركة مرورية كثيفة، في ظل غياب إشارة لعبور المشاة. كان المشهد يبعث على القلق، ويثير سؤالًا بسيطًا لكنه مهم: هل يمكن تجنب الخطر قبل وقوعه؟
لم يكن الأمر يتعلق بي شخصيًا، بل بسلامة كل من يستخدم هذا الطريق. لذلك، وعندما كنت أستمع إلى برنامج «البث المباشر»، وجدت أنه المكان الأنسب لإيصال هذه الملاحظة.
اتصلت بالبرنامج، وطرحت الفكرة بكل احترام وموضوعية، مقترحًا إنشاء إشارة لعبور المشاة في شارع التعاون، رغم أن العمل كان جاريًا آنذاك على إنشاء جسر للمشاة في شارع الاتحاد المجاور .. فقد رأيت أن الموقع، باعتباره أحد المداخل الرئيسة لإمارة الشارقة، يحتاج إلى وسائل إضافية تعزز سلامة العابرين.
أنهيت المكالمة، ولم يكن في ذهني انتظار نتيجة، بقدر ما كان لدي شعور بأن أداء الواجب يبدأ أحيانًا بكلمة.
ثقافة تستحق أن تُرسخ
المثير في الأمر لم يكن المكالمة نفسها، بل ردود فعل بعض من حولي، إذ استغرب البعض فكرة التواصل مع برنامج إذاعي لطرح ملاحظة تتعلق بالشأن العام، وكأن المشاركة في تحسين المجتمع مسؤولية تقع على الآخرين وحدهم.
هذه النظرة، في تقديري، هي ما يحتاج إلى مراجعة. فالمجتمعات لا تتقدم بالمشاهدة الصامتة، وإنما بالمشاركة الواعية. وإبداء الرأي البناء، عندما يكون قائمًا على الاحترام والموضوعية، لا يُعد تدخلًا، بل ممارسة حضارية تعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه المكان الذي يعيش فيه.
الأثر لا يصنعه شخص واحد
مرت الأشهر، ثم فوجئت لاحقًا بتركيب عدد من إشارات عبور المشاة في شارع التعاون.
ولست أدّعي أن مكالمتي كانت السبب المباشر في ذلك، فمثل هذه المشروعات ثمرة دراسات فنية، وقرارات مؤسسية، وجهود متكاملة تبذلها الجهات المختصة .. لكن ما تعلمته من هذه التجربة هو أن الصوت الصادق لا يذهب سدى، وأن الملاحظة البناءة قد تكون جزءًا من صورة أكبر تسهم في اتخاذ القرار.
فكل فكرة تصل، وكل ملاحظة تُسجل، وكل رأي يُطرح بمسؤولية، يمثل لبنة صغيرة في مشروع كبير هدفه خدمة الإنسان.
الكلمة مسؤولية
لقد علمتني هذه التجربة أن الانتماء لا يقاس بحجم الشعارات، بل بحجم المسؤولية التي يتحملها الإنسان تجاه مجتمعه.
فقد تبدأ المساهمة بابتسامة، أو بمبادرة تطوعية، أو حتى بمكالمة هاتفية تحمل ملاحظة صادقة، لكنها قد تنتهي إلى أثر يستفيد منه آلاف الناس.
ولهذا، فإن قيمة البرامج المجتمعية لا تكمن فقط في نقل شكاوى الناس، بل في ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز الثقة بين المجتمع والمؤسسات، وإقناع الجميع بأن المشاركة الإيجابية ليست خيارًا ثانويًا، بل أحد أهم عوامل التنمية.
وفي دولة جعلت الإنسان محور التنمية، ورسخت جسور التواصل بين المجتمع والمسؤول، يصبح لكل صوت قيمة، ولكل كلمة فرصة، ولكل مواطن ومقيم دور في مسيرة البناء.
فقد تكون كلمة صادقة، قيلت في الوقت المناسب، بدايةً لتغيير يصنع فرقًا في حياة الآخرين.
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء














