لماذا كتبتُ «حكايات لا تُرى»؟


بقلم: د. ولاء تحسين | دبي – الإمارات العربية المتحدة
ليست كل الحكايات التي تستحق أن تُروى مرئية، وليست كل التفاصيل التي تصنع حياة الإنسان يمكن اكتشافها من النظرة الأولى. فهناك عوالم كاملة لا ننتبه إليها، ومشاعر لا تجد دائمًا الكلمات المناسبة للتعبير عنها، وأحلام تنتظر فرصة حقيقية كي ترى النور.
من هذه الفكرة بدأت رحلتي مع كتابي «حكايات لا تُرى»، الذي أعتز بتقديمه بوصفه إصداري السادس، والذي وقّعتُه ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب .. لم تكن الفكرة بالنسبة إليّ مجرد كتابة عن ذوي الهمم، بل محاولة للاقتراب من الإنسان نفسه؛ من عالمه الداخلي، ومشاعره، وطموحاته، وحقه في أن يُفهم بعيدًا عن الأحكام المسبقة والصور النمطية.
كنت أريد أن أطرح سؤالًا بسيطًا في صياغته، لكنه عميق في دلالته: هل نرى الإنسان كما هو، أم نكتفي بما نعتقد أننا نعرفه عنه؟
الحكاية التي تكشف ما لا تراه العين
اخترتُ الحكاية لأنها، في اعتقادي، واحدة من أكثر الطرق قدرة على الوصول إلى الإنسان. فالأرقام تقدم معلومات، والتقارير تشرح الوقائع، لكن الحكايات تمنحنا فرصة الاقتراب من التجربة ذاتها. تجعلنا نرى المشاعر خلف المواقف، والأحلام خلف التحديات، والقدرات التي قد لا تظهر إلا عندما تتوافر الفرصة المناسبة.
حين نقرأ حكاية إنسان، لا ينبغي أن نتعامل معه باعتباره حالة أو رقمًا أو تصنيفًا، بل باعتباره شخصًا له خصوصيته وتفاصيله وقراراته، وله الحق في أن يُسمع صوته وأن تُحترم اختياراته.
وهنا تكمن أهمية الأدب في تناول القضايا الإنسانية؛ فهو لا يكتفي بتقديم المعلومات، وإنما يفتح مساحة للتفكير وإعادة النظر في أفكار اعتدنا التعامل معها دون أن نتوقف كثيرًا أمامها.
لقد انطلقتُ في هذا الكتاب من قناعة بأن بعض الحواجز لا تصنعها الظروف وحدها، وإنما تبنيها أيضًا تصورات تسبق المعرفة، وأحكام تُطلق قبل أن يحصل الإنسان على فرصته الحقيقية ليعبّر عن نفسه ويكشف قدراته.
قد لا نرى كل شيء من النظرة الأولى، لكننا نستطيع أن نفهم أكثر إذا تعلمنا كيف نصغي.
ستة فصول وعشرون حكاية.. رحلة في عوالم الإنسان
يضم الكتاب ستة فصول تتناول عشرين حكاية إنسانية، حرصتُ من خلالها على الاقتراب من جوانب متعددة في حياة ذوي الهمم، بعيدًا عن حصر التجربة في التحديات أو الصعوبات.
بدأتُ الفصل الأول بعنوان «حين ترى الإنسان قبل الاختلاف»، لأنه يمثل المدخل الأساسي إلى الفكرة التي يقوم عليها الكتاب: أن الإنسان أكبر من أي تصنيف، وأن اختلافه لا ينبغي أن يكون سببًا لاختزاله أو تحديد قيمته أو رسم حدود قدراته.
أما الفصل الثاني «بين الحب والخوف»، فيقترب من منطقة إنسانية شديدة الحساسية، تتداخل فيها مشاعر المحبة والقلق والرغبة في الحماية. فالحب الحقيقي، في رأيي، لا ينبغي أن يتحول إلى قيود، ولا أن يصادر حق الإنسان في التجربة والاستقلال، بل يجب أن يمنحه الأمان الذي يساعده على النمو واكتشاف ذاته.
وفي الفصل الثالث «لغات لا تُسمع بالكلمات»، حاولتُ التأمل في أشكال التواصل الإنساني التي لا تعتمد دائمًا على الكلام. فليس كل تعبير يحتاج إلى كلمات، وليس الصمت دليلًا على غياب المشاعر أو الأفكار. هناك إشارات وتفاصيل صغيرة تحمل معاني عميقة، لكنها تحتاج إلى عين تلاحظ وقلب ينصت وعقل لا يتعجل الأحكام.
ثم يأتي الفصل الرابع «الفرص التي تفتح الأبواب»، ليؤكد أن الفرصة قد تكون نقطة التحول في حياة الإنسان. فكثير من القدرات لا تظهر إلا عندما تتوافر البيئة المناسبة، وتُزال العوائق، ويُمنح الفرد مساحة عادلة للتعلم والتجربة والمشاركة.
وفي الفصل الخامس «الاستقلال والاختيار وبناء الحياة»، أتوقف أمام معنى الاستقلال، الذي لا يقتصر على القدرة على أداء المهام اليومية، بل يمتد إلى الحق في اتخاذ القرار والتعبير عن الرغبات والمشاركة في رسم المستقبل. فالإنسان لا يحتاج فقط إلى من يساعده، بل يحتاج أيضًا إلى من يحترم حقه في الاختيار.
أما الفصل السادس «مجتمع يتسع للجميع»، فينقلنا من التجربة الفردية إلى المسؤولية الجماعية. فبناء مجتمع أكثر شمولًا لا يقع على عاتق الأشخاص ذوي الهمم وأسرهم وحدهم، وإنما يتطلب وعيًا مجتمعيًا ومؤسسات تتيح الفرص وبيئات تحترم التنوع وتؤمن بحق الجميع في المشاركة.
من التعاطف إلى التمكين.. ما الذي نحتاج إلى تغييره؟
من الأفكار التي أردتُ التأكيد عليها في «حكايات لا تُرى» ضرورة الانتقال من التعاطف وحده إلى التمكين الحقيقي.
فالتعاطف قيمة إنسانية مهمة، لكنه لا يكفي إذا ظل مجرد شعور لا ينعكس على الواقع. التمكين يعني أن نمنح الإنسان حقه في الاختيار، وأن نهيئ له الفرص، وأن نزيل الحواجز التي تحول دون مشاركته، وأن ننظر إلى قدراته بدلًا من أن نحصر اهتمامنا فيما لا يستطيع القيام به.
ذوو الهمم ليسوا على هامش الحياة، بل هم جزء أصيل من معادلتها. لديهم أحلام وطموحات ومشاعر وتجارب، ومن حقهم أن يكونوا شركاء في صناعة القرارات التي تخص حياتهم، لا مجرد متلقين للرعاية أو الخدمات.
كما أن الحديث عن الدمج لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الشعارات أو المناسبات، بل يجب أن يتحول إلى ثقافة يومية تظهر في التعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية وفي طريقة تعاملنا مع الاختلاف.
وأعتقد أن أول خطوة نحو هذا التغيير تبدأ من اللغة التي نستخدمها، والصورة التي نرسمها في أذهاننا، والمساحة التي نمنحها للآخر كي يعبّر عن نفسه.
لماذا تنتهي كل حكاية برسالة وسؤال؟
حرصتُ على أن تنتهي كل حكاية في الكتاب برسالة توعوية وسؤال يدعو القارئ إلى التأمل. لم أرد أن يكون القارئ مجرد متلقٍ للأحداث، بل أن يصبح شريكًا في التفكير، وأن يتوقف قليلًا أمام ما قرأه، ويربطه بمواقفه وتجاربه اليومية.
فبعض الحكايات لا تنتهي عند آخر سطر، وإنما تبدأ بعدها رحلة أخرى داخل عقل القارئ. وقد تكون قيمة القصة الحقيقية فيما تتركه من أسئلة، وفي قدرتها على دفعنا إلى مراجعة أفكار ظننا يومًا أنها لا تحتاج إلى مراجعة.
أردتُ أن أترك لكل قارئ مساحة خاصة يكتشف فيها ما تعنيه الحكاية بالنسبة إليه؛ لأن الوعي لا يُفرض، وإنما ينمو حين نمنح أنفسنا فرصة للفهم والتفكير.
رسالة أتمنى أن تتجاوز صفحات الكتاب
يمثل «حكايات لا تُرى» بالنسبة إليّ تجربة أدبية وإنسانية أعتز بها، ليس فقط لأنه إصداري السادس، ولكن لأن موضوعه يضعني أمام مسؤولية الكتابة عن قضية تستحق قدرًا كبيرًا من الوعي والحساسية والصدق.
فالكتابة عن ذوي الهمم لا ينبغي أن تقوم على المبالغة في تصوير المعاناة، أو تقديم الأشخاص باعتبارهم نماذج للشفقة، بل على احترام إنسانيتهم وإبراز تجاربهم وقدراتهم وحقهم في حياة كريمة ومستقلة.
لا أدّعي أن كتابًا واحدًا يستطيع تغيير نظرة مجتمع بأكمله، لكنني أؤمن بأن كل حكاية صادقة يمكن أن تفتح نافذة جديدة للفهم، وأن كل فكرة تصل إلى قارئ قد تكون بداية لمراجعة موقف أو تغيير سلوك.
وفي النهاية، أتمنى أن يخرج القارئ من «حكايات لا تُرى» وهو أكثر قدرة على رؤية الإنسان خلف الاختلاف، وأكثر استعدادًا للإنصات قبل الحكم، وأكثر إيمانًا بأن الفرص والحقوق ليست امتيازات يمنحها المجتمع لمن يراه مختلفًا، وإنما حقوق أصيلة لكل إنسان.
فلسنا دائمًا بحاجة إلى أن نرى أكثر، بقدر حاجتنا إلى أن نفهم بعمق أكبر. خلف كل اختلاف إنسان، وخلف كل إنسان حكاية، وربما كانت الحكايات التي لم نرها بعد هي الأكثر احتياجًا إلى أن ننصت إليها.
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2026
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء
تابِعنا
© 2026 الساعة عربية — جميع الحقوق محفوظة
تصميم وتطوير الموقع بواسطة ملهم الأثر لإدارة التسويق






















