ترامب يوسّع العقوبات بدلًا من القصف .. كيف تحاول أمريكا خنق اقتصاد إيران ؟


ماجد السديري – الساعة عربية
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطلاق حملة اقتصادية واسعة ضد طهران، بالتزامن مع تهديد الدول والشركات والمؤسسات التي قد توفر لإيران منافذ مالية أو تجارية تساعدها على تجاوز العقوبات.
وجاء التصعيد في وقت لا تزال فيه الحرب مستمرة .. بينما لم تنجح الضغوط العسكرية حتى الآن في الوصول إلى تسوية سياسية نهائية .. كما بقيت حركة الملاحة في مضيق هرمز عند مستويات منخفضة للغاية مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.
وبذلك .. لا يبدو أن واشنطن تتعامل مع الاقتصاد باعتباره مجرد أداة إضافية للعقوبات .. بل باعتباره جبهة رئيسية في الصراع، هدفها الضغط على قدرة إيران على تمويل اقتصادها وشبكاتها التجارية والعسكرية.
من الضربات العسكرية إلى الخنق الاقتصادي
في رسالته الأخيرة .. استخدم ترامب لغة شديدة اللهجة في وصف التحرك الأمريكي الجديد .. متحدثًا عن "العملية الاقتصادية الأكثر سحقًا" وعن حملة لعزل إيران اقتصاديًا، مع تحذير الدول التي تقدم لها ما وصفه بـ"شريان حياة".
وتشمل الأدوات التي أشار إليها الرئيس الأمريكي النفط، والتحويلات المالية، وشركات الواجهة، وعمليات المقايضة، إضافة إلى الخدمات التي يمكن أن تساعد طهران على استمرار تجارتها الخارجية.
المهم في هذا الإعلان ليس فقط ما يستهدف إيران مباشرة .. وإنما اتساع دائرة الضغط لتشمل الأطراف التي تتعامل معها.
وهذا النوع من العقوبات قد تكون له آثار تتجاوز العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران .. لأن الشركات والمؤسسات المالية في دول أخرى قد تجد نفسها أمام خيار صعب بين الاستمرار في التعامل مع إيران أو تجنب التعرض لعقوبات أمريكية محتملة.
وهنا تتحول العقوبات من أداة لمعاقبة دولة إلى وسيلة لإعادة تشكيل سلوك الأطراف التي تتعامل معها.
طهران ترفض منطق الضغط
في المقابل .. جاء الرد الإيراني على لسان وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي وصف السياسة الأمريكية بأنها استمرار لما اعتبره "سياسات فاشلة"، منتقدًا في الوقت نفسه الأوضاع الاقتصادية داخل الولايات المتحدة.
الرسالة الإيرانية الأساسية تبدو واضحة: الضغط الاقتصادي لن يؤدي تلقائيًا إلى قبول الشروط الأمريكية.
وهذه ليست نقطة تفصيلية في الصراع، وإنما تمثل جوهر الاختلاف بين الطرفين.
واشنطن تراهن على أن تضييق مصادر الدخل والتمويل سيزيد تكلفة استمرار المواجهة ويدفع القيادة الإيرانية إلى تقديم تنازلات.
أما طهران فتراهن على قدرتها على تحمل العقوبات وإدارة اقتصادها عبر قنوات بديلة، إلى جانب استخدام أوراق القوة الإقليمية والسياسية التي تمتلكها.
وبالتالي .. فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت العقوبات ستؤثر في إيران؛ فمن المرجح أن يكون للضغط الاقتصادي أثره، وإنما ما إذا كان هذا الأثر سيترجم إلى تنازلات سياسية.
وهذه معادلة أكثر تعقيدًا.
مضيق هرمز .. نقطة الاختبار الأصعب
في قلب الأزمة يوجد مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.
وبحسب بيانات تتبع الملاحة التي نقلتها رويترز عن شركة Kpler، عبرت تسع سفن للسلع المضيق يوم الأربعاء 19 أغسطس، وهو العدد نفسه المسجل في اليوم السابق، بينما تراجعت حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب إلى 27 سفينة مقابل 32 في اليوم السابق.
هذه الأرقام لا تعني توقف الملاحة بصورة كاملة .. لكنها تكشف عن انخفاض حاد في النشاط مقارنة بالمستويات الطبيعية السابقة، فضلًا عن حالة عدم اليقين التي تجعل شركات الشحن أكثر حذرًا.
وتزداد أهمية هرمز لأن الأزمة لم تعد محصورة في إيران والولايات المتحدة؛ فأي اضطراب طويل في حركة الطاقة والتجارة عبر الخليج يمكن أن ينعكس على تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وتشير بيانات سابقة إلى أن تدفقات النفط وسوائل البترول عبر المضيق انخفضت بشدة خلال 2026 مقارنة بالمستويات التي سبقت الحرب.
لماذا يصعب حسم المعركة اقتصاديًا؟
المشكلة أمام واشنطن أن الاقتصاد الإيراني يعمل منذ سنوات تحت العقوبات، وهو ما دفع طهران إلى تطوير قنوات بديلة للتجارة والتمويل وبيع النفط.
وفي المقابل .. فإن تشديد العقوبات لا يعني أن إيران ستتوقف عن التصدير أو الحصول على العملة الأجنبية، بل يعني أن تكلفة هذه العمليات قد ترتفع، وأن مساراتها قد تصبح أكثر تعقيدًا.
وهنا تظهر أهمية الدول التي تربطها علاقات تجارية أو مالية مع إيران.
فإذا اتسعت العقوبات الثانوية لتشمل مؤسسات في دول أخرى .. فإن واشنطن قد تنجح في تضييق المساحات المتاحة أمام طهران، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح جبهة جديدة مع شركاء اقتصاديين لا يرغبون بالضرورة في الانضمام الكامل إلى سياسة العزل الأمريكية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الصين تظل عاملًا مهمًا في قدرة إيران على الحفاظ على بعض تدفقات التجارة والطاقة، بينما تزداد الضغوط أيضًا على قنوات مالية وتجارية تمر عبر دول إقليمية.
الحرب تقترب من شهرها السادس .. والسياسة تبحث عن مخرج
التصعيد الاقتصادي يأتي أيضًا في سياق سياسي أكثر تعقيدًا.
فالحرب دخلت شهرها السادس دون حسم عسكري واضح أو اتفاق دبلوماسي نهائي .. بينما انتهت في 17 أغسطس المهلة المرتبطة بمذكرة تفاهم سابقة دون التوصل إلى تسوية جديدة.
وهذا يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على الضغط العسكري والاقتصادي، وفي الوقت نفسه تترك باب التفاوض مفتوحًا؟
وتزداد الضغوط الداخلية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر .. خصوصًا في ظل النقاش حول تكلفة الحرب وتأثيرها على المستهلك الأمريكي والخسائر العسكرية، وفق التقارير المتداولة عن المشهد الداخلي الأمريكي.
لذلك .. فإن التصعيد الاقتصادي يمكن قراءته باعتباره محاولة لزيادة الضغط على طهران دون الدخول بالضرورة في جولة عسكرية أوسع.
ماذا يعني ذلك للمنطقة؟
الخطر الأكبر لا يرتبط فقط بما يحدث داخل إيران .. وإنما بإمكانية انتقال الصراع إلى المجال الاقتصادي الإقليمي والدولي.
فكلما زاد الضغط على تجارة النفط والتحويلات والشحن .. ارتفعت أهمية البدائل ومسارات التجارة الأخرى، وزادت حساسية الأسواق تجاه أي تطور عسكري في الممرات البحرية.
كما أن مطالبة واشنطن حلفاءها وشركاءها بقطع أي "شريان حياة" اقتصادي عن إيران تضع بعض الدول أمام اختبار دبلوماسي واقتصادي؛ إذ يتعين عليها الموازنة بين علاقاتها مع الولايات المتحدة ومصالحها التجارية والأمنية في المنطقة.
ومن هنا .. فإن المعركة الاقتصادية قد تكون أقل وضوحًا من الحرب العسكرية، لكنها قد تكون أكثر اتساعًا من حيث عدد الأطراف المتأثرة بها.
الخلاصة: هل تستطيع العقوبات أن تحسم ما لم تحسمه الحرب؟
التحرك الأمريكي الجديد يوضح أن واشنطن لا تريد الاكتفاء بالضغط العسكري .. وإنما تسعى إلى استهداف قدرة إيران على الاستمرار اقتصاديًا وتمويل شبكاتها التجارية والعسكرية.
لكن التاريخ الحديث للعقوبات يوضح أن التأثير الاقتصادي لا يساوي بالضرورة الاستسلام السياسي.
إيران تواجه ضغوطًا كبيرة .. لكن قدرتها على التكيف، إلى جانب وجود شركاء تجاريين وقنوات بديلة، قد تجعل المعركة الاقتصادية طويلة ومعقدة.
وفي المقابل .. فإن استمرار اضطراب الملاحة في هرمز وباب المندب يجعل الأزمة أكبر من حدود الصراع الأمريكي الإيراني؛ لأنها تمس الطاقة والتجارة والنقل والتأمين، وهي ملفات تصل آثارها إلى الأسواق العالمية.
لذلك .. سيكون الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة مزدوجًا: هل تستطيع واشنطن تحويل الضغط الاقتصادي إلى تنازل سياسي إيراني، أم أن العقوبات ستضيف جبهة جديدة إلى حرب لم تجد بعد طريقها إلى التسوية؟
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء




















