من يكتب تاريخ الفن ؟.. الجدل الذي أعاد مبارك وعادل ومحمود إلى الواجهة


تقرير تحليلي – الساعة عربية
أعاد الجدل الذي أثاره الفنان أحمد ماهر بشأن كواليس اختيار بطل مسلسل «رأفت الهجان» فتح أحد أشهر الملفات في تاريخ الدراما المصرية، لكنه في الوقت نفسه أثار سؤالًا يتجاوز العمل الفني نفسه: كيف تتحول الروايات الشخصية إلى حقائق يتداولها الجمهور بعد مرور عشرات السنوات؟
الكاتب والناقد الفني طارق الشناوي حاول في مقاله المنشور بصحيفة المصري اليوم تفنيد الرواية المتداولة، مؤكدًا أن الفنان أحمد ماهر لم يتعمد، بحسب وصفه، اختلاق وقائع، لكنه خلط بين ما سمعه وما تخيله، حتى خرجت رواية جديدة تختلف عن الوقائع التي عاشها أصحاب القرار الحقيقيون.
ماذا قال طارق الشناوي؟
يروي الشناوي أنه سمع بنفسه من الفنان الراحل محمود عبدالعزيز تفاصيل اللقاء الذي جمعه بالرئيس الأسبق حسني مبارك داخل منزل أحد الأمراء في السعودية، مؤكدًا أن اللقاء كان مصادفة بحتة، ولم يتطرق إطلاقًا إلى مسلسل «رأفت الهجان» أو إلى أزمة ترشيح بطله.
وبحسب المقال، فإن أحمد ماهر أضاف عنصرًا دراميًا إلى القصة، عندما تحدث عن تدخل الرئيس الأسبق لإعادة الدور إلى محمود عبدالعزيز، وهي رواية يؤكد الشناوي أنها لم تحدث.
كما أوضح أن أزمة اختيار بطل المسلسل كانت فنية في الأساس، وارتبطت باختلاف في الرؤية بين الفنان عادل إمام والكاتب صالح مرسي حول البناء الدرامي للعمل، خاصة استخدام تقنية "الفلاش باك"، وهو ما أدى في النهاية إلى انسحاب عادل إمام وعودة البطولة إلى محمود عبدالعزيز، دون أي تدخل سياسي.
القضية أكبر من «رأفت الهجان»
ورغم أن المقال يدافع عن رواية بعينها، فإنه يسلط الضوء على ظاهرة تتكرر كثيرًا في الوسط الفني، وهي أن الأحداث القديمة تصبح مع مرور الزمن عرضة لإعادة السرد بصيغ مختلفة.
فالذاكرة البشرية ليست تسجيلًا رقميًا للأحداث، بل تتأثر بمرور السنوات، وبالقصص التي يسمعها الإنسان لاحقًا، وبطريقة إعادة بناء المشهد في ذهنه. ولهذا، قد يعتقد شخص أنه يروي واقعة كما حدثت، بينما يكون قد مزج بين ما شاهده، وما سمعه، وما استنتجه.
وتزداد هذه الظاهرة وضوحًا عندما يغيب أغلب الشهود المباشرين على الواقعة، ليصبح المجال مفتوحًا أمام روايات متعددة، يصعب أحيانًا التحقق منها.
لماذا تدخلت نقابة المهن التمثيلية؟
يشير طارق الشناوي إلى أن الأزمة لم تكن لتتجاوز حدود الجدل المعتاد، لولا ربط الرواية باسم رئيس الجمهورية الأسبق حسني مبارك.
فإسناد قرار فني إلى تدخل مباشر من رأس الدولة لا يعد مجرد رواية شخصية، بل يمثل ادعاءً يتعلق بواقعة تاريخية، وهو ما يفسر مطالبة نقابة المهن التمثيلية الفنان أحمد ماهر بتقديم ما يثبت روايته أو الاعتذار عنها.
وهنا تنتقل القضية من مساحة الحكايات المتداولة إلى مساحة المسؤولية المهنية، خاصة عندما تتعلق الوقائع بشخصيات عامة وأحداث موثقة.
هل تكفي شهادة فرد واحد؟
وفي المقابل، ورغم أهمية شهادة طارق الشناوي وقربه من عدد من أطراف الواقعة، فإن مقاله يظل أيضًا رواية تستند إلى شهادات ومعلومات نقلها عن أشخاص معنيين بالحدث، وليست وثيقة رسمية أو تسجيلًا مباشرًا.
وهذا يفتح بابًا مهمًا في العمل الصحفي؛ إذ إن توثيق التاريخ لا يعتمد على شاهد واحد، مهما بلغت مكانته، بل على تقاطع الشهادات مع الوثائق والمصادر الأصلية كلما كان ذلك ممكنًا.
ومن هنا، فإن ما قدمه الشناوي يمثل رواية مضادة لرواية أحمد ماهر، تستند إلى شهادات يعتبرها أكثر قربًا من الحدث، لكنها لا تلغي أهمية البحث عن الأدلة التاريخية كلما توفرت.
ما الذي تكشفه هذه الأزمة؟
بعيدًا عن الجدل حول من كان الأحق ببطولة «رأفت الهجان»، تكشف الواقعة تحديًا أوسع يواجه الإعلام والثقافة في عصر المنصات الرقمية، حيث تنتشر الروايات الشخصية بسرعة كبيرة، وقد تتحول إلى "حقائق" في أذهان الجمهور إذا لم تُراجع أو تُناقش.
ولهذا، يصبح دور الصحافة الثقافية والفنية أكثر أهمية، ليس في الانحياز لطرف ضد آخر، وإنما في تفكيك الروايات، ومقارنتها بالوقائع، وإعادة بناء التسلسل الزمني للأحداث اعتمادًا على المصادر الموثوقة.
وفي النهاية، فإن الجدل الدائر حول «رأفت الهجان» لا يتعلق فقط بمحمود عبدالعزيز أو عادل إمام أو أحمد ماهر، بل يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: هل نكتب تاريخ الفن اعتمادًا على الذاكرة، أم على الوثيقة؟ وربما تكون الإجابة أن الذاكرة تروي، لكن الوثيقة وحدها هي التي تحسم.
المصدر: مقال للكاتب طارق الشناوي، منشور في صحيفة "المصري اليوم".
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء




















