قنا فتحت الملف .. من المسؤول عن تراجع الخدمة الصحية : نقص الإمكانات أم ضعف الإدارة ؟


حازم الرفاعي – الساعة عربية
لم تكن الجولة المفاجئة التي أجراها اللواء مصطفى الببلاوي، محافظ قنا، داخل مستشفى قنا العام مجرد زيارة ميدانية اعتيادية، بل تحولت إلى سلسلة من القرارات الإدارية والتنظيمية بعد رصد أوجه قصور في مستوى الخدمات والاستماع مباشرة إلى شكاوى المرضى. لكن ما جرى أعاد إلى الواجهة سؤالًا يتكرر مع كل أزمة مشابهة: هل المشكلة مرتبطة بإدارة مستشفى بعينها، أم أنها تعكس تحديات أوسع تواجه منظومة الصحة الحكومية في مصر؟
وخلال جولته، تفقد المحافظ أقسام الاستقبال، والعيادات الخارجية، والأشعة، والجراحة، والعظام، والعناية المركزة، وبنك الدم، والغسيل الكلوي، والمطبخ، ووحدة الرنين المغناطيسي، إضافة إلى مبنى الطوارئ الجديد، كما راجع دفاتر حضور الأطباء وهيئة التمريض، وتابع مدى توافر الأدوية والمستلزمات الطبية، قبل أن يستمع إلى عدد من المرضى ومرافقيهم بشأن مستوى الخدمة المقدمة.
وانتهت الجولة بإصدار قرارات فورية، كان أبرزها تكليف الدكتور محمد حسن طايع، استشاري الجراحة العامة ورئيس الهيئة الطبية، بتسيير أعمال مدير مستشفى قنا العام، إلى جانب نقل مدير الشؤون الإدارية للعمل بمستشفى أبوتشت، وإحالة مسؤول الدفاتر والمخازن إلى الشؤون القانونية للتحقيق، وفرض جزاءات على شركة النظافة المتعاقد معها بسبب عدم الالتزام بالاشتراطات الصحية، مع التوجيه بتكثيف أعمال التعقيم وإنشاء أماكن انتظار للمرضى وذويهم.
كما شدد المحافظ على عدم تحميل المرضى أي أعباء مالية لشراء الأدوية أو المستلزمات الطبية من خارج المستشفى، مؤكدًا ضرورة توفير جميع الاحتياجات من الرصيد الاستراتيجي المتاح داخل المستشفى، مع تطبيق مبدأ الثواب والعقاب على جميع المقصرين.
ورغم أهمية هذه القرارات، فإن الواقعة تعكس تحديًا يتجاوز حدود محافظة قنا. فمنذ سنوات، تعمل الدولة على تنفيذ خطة واسعة لتطوير القطاع الصحي، تشمل إنشاء مستشفيات جديدة، وتحديث أخرى قائمة، وتطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل تدريجيًا، إلى جانب زيادة الإنفاق على البنية التحتية والتجهيزات الطبية.
في المقابل، لا تزال شكاوى المواطنين تتكرر في بعض المستشفيات الحكومية، سواء بسبب الزحام، أو نقص بعض الخدمات، أو المشكلات الإدارية، أو تفاوت مستوى الأداء بين منشأة وأخرى، وهو ما يجعل الزيارات المفاجئة للمسؤولين تتحول أحيانًا إلى أداة لاكتشاف أوجه القصور واتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجتها.
وفي أكثر من مناسبة، أشار الدكتور خالد عبد الغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، إلى أن تطوير المنظومة الصحية يحتاج إلى استثمارات ضخمة، مؤكدًا أن الوصول إلى مستوى الخدمات المأمول يتطلب موارد مالية كبيرة. ومن أبرز تصريحاته قوله: "عايز تريليون جنيه كل سنة وبعدها حاسبوني على المستشفيات"، في إشارة إلى حجم التحديات التي تواجه القطاع، وما يحتاجه من تمويل مستدام لتحديث المستشفيات، وتوفير الأجهزة، ورفع كفاءة العنصر البشري.
لكن في الوقت نفسه، يميز المتخصصون بين التحديات المالية و**المشكلات الإدارية**. فبينما يتطلب إنشاء مستشفى جديد أو تحديث منشأة صحية ميزانيات ضخمة، فإن قضايا مثل الانضباط الوظيفي، والنظافة، وسرعة الاستجابة لشكاوى المرضى، والرقابة على المخازن، وتوافر المستلزمات الموجودة بالفعل، ترتبط في جانب كبير منها بكفاءة الإدارة والمتابعة اليومية، وهي أمور يمكن تحسينها دون انتظار مشروعات إنشائية جديدة.
ومن هنا، تبدو قرارات محافظ قنا رسالة مزدوجة؛ الأولى أن التقصير الإداري لن يمر دون محاسبة، والثانية أن تحسين الخدمة الصحية لا يعتمد فقط على توفير الأموال، وإنما أيضًا على حسن الإدارة والرقابة المستمرة، خاصة في المرافق التي يتردد عليها آلاف المواطنين يوميًا.
وتكشف هذه الواقعة أن تطوير القطاع الصحي يظل مسؤولية مشتركة بين الدولة التي تعمل على توفير التمويل وتحديث البنية التحتية، وبين الإدارات التنفيذية المكلفة بإدارة المستشفيات بكفاءة، وبين الأجهزة الرقابية التي تتابع الأداء وتتعامل مع أوجه القصور فور ظهورها.
وفي النهاية، فإن ما حدث في مستشفى قنا العام قد لا يكون حالة استثنائية بقدر ما يعكس تحديًا تعرفه قطاعات صحية في محافظات مختلفة .. والقرارات الإدارية السريعة قد تعالج أزمة آنية، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تترافق مع تطوير مستمر للإدارة، وتعزيز الرقابة، وتوفير الموارد اللازمة، بما يضمن أن يشعر المواطن بتحسن حقيقي ومستدام في مستوى الخدمة الصحية، لا بمجرد تغيير في القيادات.
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء




















