ماكرون في دمشق .. رسائل من الجامع الأموي وانفجارات تواكب الزيارة


ماجد السديري – الساعة عربية
شهدت العاصمة السورية دمشق يومًا استثنائيًا جمع بين الرسائل السياسية والرمزية، مع وصول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أول زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ عام 2009، وأول زيارة يقوم بها رئيس دولة من الاتحاد الأوروبي منذ التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد عام 2024، قبل أن تتزامن الزيارة مع وقوع انفجارين في العاصمة، وسط تأكيدات رسمية بأن البرنامج الرئاسي استمر دون تغيير.
واستهل ماكرون زيارته بلقاء الرئيس السوري أحمد الشرع، قبل أن يتوجها معًا إلى الجامع الأموي، أحد أبرز المعالم التاريخية والدينية في دمشق، حيث دوّن الرئيس الفرنسي كلمة في سجل الزوار حملت رسائل تتعلق بتاريخ المدينة وتنوعها الحضاري ومستقبل سوريا.
وقال ماكرون في رسالته إنه سعيد بزيارة مكان يجسد قرونًا من التاريخ والأديان والحضارات، معتبرًا أن الجامع الأموي يعكس تداخل الحضارات التي مرت على دمشق، وأن هذا الإرث التاريخي يجسد وحدة الشعب السوري وقوة تاريخه. كما أشار إلى أن سوريا تمر بمرحلة جديدة رغم التحديات التي تشهدها المنطقة، مؤكدًا أن فرنسا تقف إلى جانب الشعب السوري في هذه المرحلة.
وفي المقابل، كتب الرئيس السوري أحمد الشرع رسالة في سجل الزوار أكد فيها أن دمشق ستظل رمزًا للحضارة والتاريخ، مشيرًا إلى أن المدينة أصبحت مقصدًا لمحبيها، وأن سوريا ستواصل الحفاظ على إرثها الحضاري والعمل على بناء مستقبلها.
صفحة جديدة في العلاقات السورية الفرنسية
الزيارة حملت أيضًا رسائل سياسية واضحة بشأن مستقبل العلاقات بين باريس ودمشق. ففي منشور عبر منصة "إكس"، أكد الرئيس الفرنسي التزام بلاده بدعم الشعب السوري من أجل بناء دولة ذات سيادة ووحدة، تحافظ على تعدديتها وتنعم بالاستقرار والسلام مع محيطها الإقليمي، داعيًا إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين.
من جانبه، وصف الرئيس أحمد الشرع الزيارة بأنها محطة مهمة في مسار العلاقات السورية الفرنسية، موضحًا أن فرنسا كانت من أوائل الدول التي بادرت إلى التواصل مع الإدارة السورية الجديدة بعد التغيرات السياسية، كما لعبت دورًا في دعم جهود رفع العقوبات وتعزيز انفتاح سوريا على المجتمع الدولي.
وأشار الشرع إلى أن الزيارة ستشهد توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية، في إطار توجه دمشق لتعزيز التعاون مع باريس في ملفات إعادة الإعمار، وتطوير مؤسسات الدولة، وتحديث البنية التحتية والقطاع المالي، وهي مجالات تمتلك فيها فرنسا خبرات تقنية واقتصادية يمكن الاستفادة منها خلال المرحلة المقبلة.
وأكد الرئيس السوري أن بلاده تجاوزت خلال الأشهر الماضية عددًا من التحديات، وبدأت مرحلة إعادة البناء، وهو ما يتطلب إقامة شراكات مع الدول التي تمتلك خبرات متقدمة في التكنولوجيا والصناعة والتمويل.
عودة آثار سورية بقيت في فرنسا منذ 2010
ومن أبرز المحطات التي رافقت الزيارة إعلان الرئاسة الفرنسية إعادة مجموعة من القطع الأثرية السورية التي كانت قد أُعيرت إلى معهد العالم العربي في باريس عام 2010، قبل أن تحول الحرب التي اندلعت لاحقًا دون إعادتها إلى دمشق في الموعد المقرر.
وتضم المجموعة 23 قطعة أثرية تعود إلى فترات تاريخية متعددة، تمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى العصور الإسلامية، وتشمل تمثالًا من مدينة ماري الأثرية، ونقوشًا صفائية وتدمرية، وأجزاء من لوحات جدارية ملونة، وعناصر معمارية تاريخية من مواقع أثرية سورية مختلفة.
وأوضحت المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية أن هذه القطع تصل إلى المتحف الوطني بدمشق بعد غياب استمر نحو 15 عامًا، مشيرة إلى أن ظروف الحرب وعدم توافر البيئة المناسبة لحفظها كانا السبب الرئيسي في تأجيل عملية إعادتها طوال السنوات الماضية.
ويمثل استرجاع هذه القطع خطوة ذات طابع ثقافي، تعكس رغبة الجانبين في توسيع مجالات التعاون لتشمل حماية التراث الإنساني، إلى جانب الملفات السياسية والاقتصادية.
انفجاران خلال الزيارة .. والبرنامج الرئاسي مستمر
وبينما كانت الزيارة الرسمية تتواصل، شهدت دمشق انفجارين وقعا في منطقتين مختلفتين من العاصمة، ما أدى إلى حالة من الاستنفار الأمني وإغلاق عدد من الطرق المحيطة بموقع الحادث.
وأعلنت وزارة الداخلية السورية أن الانفجارين نتجا عن عبوتين ناسفتين بدائيتَي الصنع، انفجرت الأولى بالقرب من وزارة السياحة، بينما وقع الانفجار الثاني في أحد الشوارع الفرعية بمنطقة ساحة المحافظة.
وأضافت الوزارة أن الحادث أسفر عن إصابة 18 شخصًا، بينهم أربعة من عناصر الشرطة، مؤكدة أن موقع الانفجارين يقع خارج النطاق الأمني المخصص لمقر إقامة الرئيس الفرنسي، ولم يشكل أي تهديد مباشر لسير الزيارة أو اللقاءات الرسمية.
وأشارت إلى أن قوات الأمن كانت قد رصدت العبوتين وبدأت إجراءات التعامل معهما تمهيدًا لتفكيكهما، إلا أنهما انفجرتا أثناء تنفيذ العملية، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة لتحديد ملابسات الحادث وهوية المسؤولين عنه.
من جهته، أعلن قصر الإليزيه أن الرئيس ماكرون لم يسمع دوي الانفجارين أثناء انتقاله إلى القصر الرئاسي، فيما استمرت اللقاءات الرسمية وفق البرنامج المعلن دون أي تعديل.
رسائل سياسية تتجاوز البروتوكول
تحمل زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق أكثر من دلالة في توقيتها ومضمونها، فهي تعكس بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين بعد سنوات من القطيعة السياسية، كما تزامنت مع إعلان خطوات عملية للتعاون في مجالات إعادة الإعمار والاقتصاد والثقافة، إلى جانب إعادة قطع أثرية تمثل جانبًا من التراث السوري.
وفي المقابل، أظهرت الانفجارات التي وقعت أثناء الزيارة أن الملف الأمني لا يزال حاضرًا ضمن التحديات التي تواجه سوريا .. رغم تأكيد السلطات استمرار مؤسسات الدولة في أداء مهامها وعدم تأثر برنامج الزيارة. وبين رسائل التقارب السياسي، والتحركات الاقتصادية والثقافية .. والتحديات الأمنية القائمة، تبدو الزيارة مؤشرًا على مرحلة جديدة تسعى دمشق وباريس إلى رسم ملامحها، بينما يبقى نجاحها مرتبطًا بما ستسفر عنه الاتفاقيات المعلنة والتطورات الميدانية خلال الفترة المقبلة.
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء














