المحاماة ليست متجرًا .. الجدل الذي أشعله منشور أشرف نبيل


لم يكن الرقم وحده هو ما أشعل مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تكن شروط مكتب محاماة هي السبب الوحيد في حالة الاستياء التي اجتاحت آلاف التعليقات. فالمسألة، بالنسبة لكثيرين، تجاوزت الحديث عن أتعاب مهنية إلى سؤال أكثر عمقًا : ماذا تبقى من رسالة المحاماة عندما يصبح أول ما يواجه طالب العدالة قائمة طويلة من الشروط والأسعار؟
منشور المحامي الجنائي أشرف نبيل جاء واضحًا وصريحًا. المكتب لا يقبل إلا قضايا الجنايات الكبرى التي يواجه فيها المتهم الإعدام أو السجن المؤبد، ولا يترافع عن المجني عليهم، ولا يقدم استشارات قانونية، ولا يتعامل مع وسطاء، ولا يقبل أي تحويلات مالية، وحدد رسوم حجز الموعد والاطلاع على الأوراق بخمسين ألف جنيه للمصريين وألف دولار للأجانب، مع التأكيد على أن هذا المبلغ لا يُخصم من الأتعاب لاحقًا.
قد يرى البعض أن من حق أي محامٍ أن يحدد طبيعة القضايا التي يعمل عليها، وأن يضع الأتعاب التي تناسب خبرته واسمه وسنوات عمله، وهو حق لا يجادل فيه أحد من الناحية المهنية. لكن ردود الفعل لم تتوقف عند هذا الحد، لأن الجمهور لم يقرأ المنشور باعتباره إعلانًا تنظيميًا، بل قرأه بوصفه رسالة تحمل دلالات أوسع عن العلاقة بين العدالة والقدرة على الدفع.
هنا تحديدًا بدأ الجدل.
فالمحاماة، في الوعي الجمعي، ليست مهنة عادية تقدم خدمة تجارية فحسب، بل هي واحدة من المهن التي ارتبطت تاريخيًا بالدفاع عن الإنسان قبل أي شيء آخر. ولهذا ظل المحامي، في المخيلة العامة، يقف إلى جوار الطبيب والقاضي باعتباره جزءًا من منظومة تحقيق العدالة، لا مجرد مقدم خدمة يخضع بالكامل لمنطق السوق.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتصدر التعليقات أسئلة من نوع: ماذا يفعل صاحب الحق إذا لم يكن قادرًا على دفع هذه الرسوم؟ وهل أصبحت أبواب بعض مكاتب الدفاع الكبرى موصدة عمليًا أمام أصحاب الدخل المحدود؟ وهل يمكن أن يشعر المواطن البسيط بأن العدالة ما زالت قريبة منه إذا كانت أول خطوة نحوها تتطلب عشرات الآلاف من الجنيهات؟
الحقيقة أن هذه الأسئلة لا تستهدف شخصًا بعينه، بل تعكس قلقًا اجتماعيًا يتكرر كلما ارتفعت تكلفة الوصول إلى الخدمات الأساسية، سواء كانت تعليمًا أو علاجًا أو دفاعًا قانونيًا.
وفي المقابل، يرى كثير من القانونيين أن اختزال القضية في قيمة الأتعاب وحدها ليس منصفًا، فكل محامٍ حر في اختيار نوعية القضايا التي يتولاها، كما أن القضايا الجنائية الكبرى تتطلب جهدًا استثنائيًا ومسؤولية قد تمتد لأشهر أو سنوات، وهو ما يبرر تفاوت الأتعاب بين مكتب وآخر.
لكن حتى مع التسليم بهذا الحق، يبقى سؤال الصورة الذهنية حاضرًا بقوة.
فالرسائل التي تُنشر على الملأ لا تُقرأ فقط بحروفها، وإنما بما توحي به أيضًا. وعندما يطغى الحديث عن الشروط والرسوم على الحديث عن رسالة الدفاع عن الحقوق، يشعر قطاع من الناس بأن لغة الأرقام أصبحت أعلى صوتًا من لغة العدالة.
وربما لهذا السبب لم يكن الرقم هو بطل القصة، بل الانطباع الذي تركه.
إن المهن الكبرى لا تُقاس فقط بما تحققه من عائد مادي، وإنما بما تتركه من أثر في المجتمع. فالمعلم لا يُقاس بما يتقاضاه، والطبيب لا تُختزل قيمته في أجر الكشف، وكذلك المحامي الذي ظل عبر التاريخ رمزًا للدفاع عن المظلومين قبل أن يكون صاحب مكتب أو علامة تجارية.
ولعل أجمل ما قيل عن المحاماة أنها المهنة التي تقف بين الإنسان وظلمه، وبين المتهم وحكم قد يسلبه عمره أو حياته. ولهذا اكتسبت مكانتها، ولهذا بقيت توصف بأنها رسالة قبل أن تكون مصدرًا للرزق.
يبقى أن منشورًا واحدًا نجح في إعادة فتح نقاش لن ينتهي قريبًا: هل يملك المحامي كامل الحق في تسعير خدماته بالطريقة التي يراها مناسبة؟ نعم، من حيث المبدأ. لكن السؤال الذي يشغل الرأي العام ليس عن الحق القانوني، بل عن الأثر الأخلاقي والاجتماعي لهذه الرسائل، وعن قدرة المهن الإنسانية على الحفاظ على صورتها ورسالتها في زمن أصبحت فيه كل القيم تُقاس بلغة السوق.
وربما لهذا السبب، لم يكن الجدل حول خمسين ألف جنيه، بقدر ما كان حول قيمة العدالة نفسها.
اقرأ أيضا
Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء














