الخطيب- ساويرس- ميسي- ماسكالخطيب- ساويرس- ميسي- ماسك
السرطان في حياة المشاهير: بين الصمود والانهيار – قصص حقيقية – القائمة صادمةالسرطان في حياة المشاهير: بين الصمود والانهيار – قصص حقيقية – القائمة صادمة
محمد أبو تريكةمحمد أبو تريكة

صحافة الفضائح ليست طريقًا لخدمة المجتمع

11/6/2026

تقرير تحليلي – الساعة عربية

أعاد نقيب الصحفيين المصريين خالد البلشي فتح ملف العلاقة الشائكة بين حرية الصحافة وحق الأفراد في حماية حياتهم الخاصة، بعدما وجّه نداءً إلى الصحفيين وإدارات تحرير المواقع الإلكترونية، دعا فيه إلى الامتناع عن تغطية المؤتمرات واللقاءات التي تتخذ من الخوض في الأعراض وتبادل الاتهامات الشخصية وسيلة لجذب الانتباه، مطالبًا بمقاطعة الشخصيات التي تتبنى خطابات السب والقذف والتشهير.

ويأتي هذا التحرك في وقت أصبحت فيه المنافسة على جذب الجمهور أكثر حدة، مع انتشار المنصات الرقمية وسرعة تداول المحتوى، وتحول بعض النزاعات الشخصية والأسرية إلى مواد إعلامية تستقطب المشاهدات والتفاعلات.

لكن القضية تتجاوز مجرد رفض محتوى مثير للجدل؛ فهي تطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة الدور الذي ينبغي أن تؤديه الصحافة: هل تكتفي بملاحقة ما يثير اهتمام الجمهور، أم تتحمل مسؤولية التمييز بين ما يستحق النشر وما يؤدي نشره إلى إلحاق الضرر بالأفراد والمجتمع؟

خلفية الموضوع: عندما تتحول الخلافات الشخصية إلى مادة إعلامية

لم يعد انتشار تفاصيل الحياة الشخصية مقتصرًا على مواقع التواصل الاجتماعي أو الحسابات الفردية، بل امتد في بعض الحالات إلى منصات إعلامية تتعامل مع تصريحات أطراف النزاعات باعتبارها أخبارًا تستحق التغطية، حتى عندما تتضمن اتهامات متبادلة أو تفاصيل أسرية لا تضيف معرفة حقيقية للقارئ.

وتكمن المشكلة في أن بعض هذه التغطيات لا تتوقف عند نقل واقعة ذات أهمية عامة، وإنما تتحول إلى متابعة متلاحقة للتصريحات والردود والاتهامات، بما يجعل الخلاف الشخصي مادة مفتوحة لإنتاج محتوى جديد، ويمنح أطرافه مساحة أوسع لتصفية الحسابات أمام الجمهور.

وهنا تتداخل عدة عوامل، أبرزها البحث عن الانتشار السريع، والمنافسة على نسب المشاهدة، والاعتماد على المحتوى المثير للجدل باعتباره وسيلة سهلة لجذب التفاعل، فضلًا عن الخلط بين حق الجمهور في المعرفة وحقه المفترض في الاطلاع على كل تفاصيل حياة الآخرين.

قراءة في الرسالة النقابية: الخصوصية ليست تفصيلًا ثانويًا

تتمثل أبرز نقاط نداء خالد البلشي في محاولة إعادة الاعتبار إلى الحدود الفاصلة بين التغطية الصحفية المشروعة والتشهير بالأفراد. فليس كل ما يقوله أحد أطراف النزاع يصلح للنشر، وليس كل مؤتمر صحفي يتحول تلقائيًا إلى حدث ذي قيمة إخبارية لمجرد وجود كاميرات وميكروفونات أمام المتحدثين.

وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ قانوني ودستوري واضح؛ إذ تنص المادة 57 من الدستور المصري على أن الحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تمس. كما يتضمن قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، في مادته العشرين، حظر التعرض للحياة الخاصة للمواطنين والمشتغلين بالعمل العام، مع استثناء ما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأعمالهم ويستهدف المصلحة العامة.

وهذا الاستثناء مهم؛ لأنه يوضح أن حماية الخصوصية لا تعني منع الصحافة من مساءلة الشخصيات العامة أو كشف الوقائع التي تمس الصالح العام، وإنما تعني أن يكون النشر قائمًا على مبرر صحفي حقيقي، لا على الرغبة في استعراض تفاصيل العلاقات الشخصية أو إثارة الفضول.

ومن النقاط المهمة أيضًا تحذير النقيب من إعادة نشر ألفاظ السب والقذف الصادرة عن أطراف النزاعات. فالمؤسسة الصحفية ليست مجرد وسيط محايد ينقل كل ما يسمعه دون تقدير للعواقب؛ إذ إن نقل الإساءة إلى جمهور أوسع قد يضاعف آثارها، حتى لو لم تكن المنصة هي صاحبة التصريح الأصلي.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين المسؤولية المهنية والتكييف القانوني؛ فليس كل نقل لتصريح مسيء جريمة تلقائيًا، وإنما تتحدد المسؤولية وفق مضمون النشر وسياقه وطبيعته والقواعد القانونية المنطبقة عليه.

ما وراء التفاصيل: الأطفال والنساء والضرر الذي لا ينتهي بالنشر

من أكثر الجوانب أهمية في القضية أن المتضرر من نشر تفاصيل النزاعات الأسرية لا يكون بالضرورة طرفًا فيها.

فقد يجد الأطفال أنفسهم أمام آثار اجتماعية ونفسية طويلة الأمد نتيجة تداول أسماء أسرهم أو صورهم أو تفاصيل خلافات ذويهم، رغم أنهم لم يختاروا الدخول في هذه المعارك ولم يشاركوا فيها.

كما أن نشر الاتهامات المرتبطة بالعلاقات الشخصية قد يتحول إلى أداة للوصم الاجتماعي، وتكون النساء في كثير من الحالات الأكثر تعرضًا لتبعاته، خصوصًا عندما تُستخدم تفاصيل الحياة الخاصة لتوجيه الإدانة الأخلاقية أو التحريض أو الانتقاص من الكرامة.

وهنا تظهر مسؤولية الإعلام في عدم تحويل المجتمع إلى محكمة موازية، تصدر أحكامها بناءً على مقاطع مجتزأة أو تصريحات متبادلة أو روايات لم تخضع للتحقق.

وتزداد أهمية ذلك عند تناول القضايا المنظورة أمام القضاء؛ فالمادة 21 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام تضع ضوابط لتناول ما تباشره سلطات التحقيق والمحاكمة، بما يمنع التأثير في مراكز أطراف التحقيق أو المحاكمة، مع مراعاة القرارات القانونية الصادرة بشأن حظر النشر.

وبالتالي، فإن احترام قرينة البراءة وعدم تقديم الاتهامات باعتبارها حقائق ثابتة ليسا مجرد اختيار تحريري، بل جزء من المسؤولية التي تفرضها طبيعة العمل الصحفي.

المقاطعة الإعلامية.. حل مهني أم سلاح يحتاج إلى ضوابط؟

من أكثر النقاط التي تستحق النقاش في نداء نقيب الصحفيين دعوته إلى المقاطعة الشاملة للأشخاص الذين يتبنون خطابات السب والقذف والخوض في الحياة الخاصة، وعدم نشر أخبار تتعلق بهم.

وتستند هذه الدعوة إلى فكرة أن بعض الشخصيات تستمد حضورها وتأثيرها من المساحة الإعلامية التي تمنحها المنصات، وأن حرمان خطاب التشهير من الانتشار قد يحد من قدرته على صناعة الجدل واستمرار الإساءة.

لكن تطبيق هذه الدعوة يحتاج إلى قدر كبير من الدقة؛ فالمقاطعة المهنية لا ينبغي أن تتحول إلى حظر مطلق على تغطية أي واقعة يكون أحد أطرافها شخصية مثيرة للجدل، خصوصًا إذا ارتبط الأمر بمصلحة عامة أو تطور قضائي مهم أو واقعة تستحق اطلاع الجمهور عليها.

والفارق هنا بين تغطية الشخص وتغطية الحدث. فمن الممكن تجاهل التصريحات المسيئة وعدم إعادة نشرها، مع الاستمرار في متابعة القضية ذاتها، والتحقق من المعلومات، وعرض التطورات القانونية والموضوعية دون منح الإساءات مساحة إضافية.

كذلك تبرز أهمية تحديد نطاق المساءلة النقابية؛ فالمحاسبة المهنية يجب أن تتم وفق الاختصاصات واللوائح والإجراءات المقررة، مع احترام حق العضو في معرفة المخالفة المنسوبة إليه والدفاع عن نفسه، دون تحويل المساءلة إلى عقوبة لمجرد اختلاف وجهات النظر التحريرية.

الخلاصة: الصحافة القوية لا تحتاج إلى انتهاك الخصوصية

تكشف دعوة نقيب الصحفيين عن أزمة تتعلق بمعايير اختيار الأخبار، وليست مجرد خلاف حول تغطية مؤتمرات أو تصريحات مثيرة للجدل. فالتحدي الحقيقي أمام المؤسسات الصحفية هو استعادة التوازن بين المنافسة على الجمهور والالتزام بحقوق الأفراد، وبين سرعة النشر وضرورة التحقق، وبين حرية التعبير وعدم التحول إلى منصة للتشهير.

ومن المنتظر أن يتوقف تأثير هذه الدعوة على مدى قدرة إدارات التحرير على تحويل المبادئ المعلنة إلى قواعد عمل واضحة، وعلى استعداد المؤسسات لمراجعة سياساتها في التعامل مع المحتوى المثير للجدل، بدلًا من قياس النجاح بعدد المشاهدات وحده.

فالصحافة التي تكشف الفساد وتناقش القضايا العامة وتمنح المواطنين صوتًا لا تحتاج إلى اقتحام غرف الحياة الخاصة حتى تثبت أهميتها. كما أن احترام الخصوصية لا يعني التستر على الأخطاء أو تعطيل حق المجتمع في المعرفة.

وفي النهاية، تبقى المعادلة الأكثر أهمية هي أن حرية الصحافة لا تُقاس بقدرتها على نشر كل شيء، وإنما بقدرتها على اختيار ما يستحق النشر، وتقديمه بمهنية تحمي حق الجمهور في المعرفة وكرامة الإنسان في الوقت نفسه.

اقرأ أيضا

شاهد .. استمتع .. وشارك

اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!

Elsa3h © 2026

حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.

بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء

تابِعنا

© 2026 الساعة عربية — جميع الحقوق محفوظة
تصميم وتطوير الموقع بواسطة ملهم الأثر لإدارة التسويق