الذكاء الاصطناعي يفتح فصلًا أخطر في حرب الإشاعات


تقرير تحليلي – الساعة عربية
لم تعد المشكلة في الفضاء الرقمي العراقي مجرد خبر كاذب يظهر على صفحة مجهولة ثم يختفي .. بل في البيئة التي تسمح للمعلومة غير الموثوقة بأن تتحول خلال ساعات إلى رواية يتداولها آلاف المستخدمين، وربما يتعامل معها البعض باعتبارها حقيقة مكتملة.
هذه هي القضية التي يطرحها المقال الأصلي للكاتبة والصحفية العراقية إسراء الجوراني، والذي يناقش تصاعد الأخبار غير الدقيقة وحملات ما يُعرف بـ«التسقيط» عبر المنصات الرقمية العراقية .. محذرًا من تأثيرها في الأفراد والمؤسسات وثقة الجمهور بالإعلام.
لكن قراءة الظاهرة من زاوية أوسع تكشف أن المسألة تتجاوز أخطاء النشر أو سوء استخدام وسائل التواصل .. نحن أمام تحول في طبيعة صناعة المعلومة نفسها: من إعلام كان يمر عبر بوابات تحريرية واضحة، إلى فضاء يستطيع فيه أي حساب أن يصنع رواية وينشرها ويعيد تدويرها قبل أن تبدأ عملية التحقق أصلًا.
المشكلة ليست في الخبر الكاذب وحده
الخبر غير الصحيح ليس ظاهرة جديدة في الصحافة .. لكن الفارق اليوم هو سرعة انتشاره وقدرته على تجاوز التصحيح.
في البيئة التقليدية .. كان الخبر يمر غالبًا عبر محرر ومصدر ومسؤولية مهنية ومؤسسة يمكن الرجوع إليها .. أما في منصات التواصل، فقد يبدأ المحتوى من حساب شخصي .. ثم تنتقل منه المعلومة إلى صفحات أخرى، قبل أن تصل إلى مواقع إخبارية أو برامج أو حسابات ذات حضور جماهيري.
وهنا تصبح عملية التحقق أكثر صعوبة .. لأن القارئ قد يواجه عشرات المنشورات التي تكرر المعلومة نفسها، فيتصور أن كثرة تداولها دليل على صحتها.
وهذه واحدة من أخطر آليات التضليل الرقمي: تحويل الانتشار إلى بديل عن المصداقية.
عندما لا يكون الحذف كافيًا
من الأفكار المهمة التي يطرحها المقال الأصلي قضية حذف الأخبار غير الدقيقة بعد انتشارها.
فالمشكلة أن حذف المنشور لا يعني بالضرورة اختفاء تأثيره .. قد يكون المستخدمون قد حفظوا صورة منه، أو أعادوا نشره .. أو ناقشوه في منصات أخرى .. أو بنوا عليه مواقف وانطباعات.
لذلك فإن المسؤولية المهنية لا تنتهي بمجرد إزالة المحتوى.
إذا ثبت أن معلومة منشورة كانت خاطئة .. فإن التصحيح الواضح يصبح جزءًا أساسيًا من المسؤولية الإعلامية .. فالقارئ الذي تلقى المعلومة الأولى يحتاج إلى معرفة أنها لم تكن صحيحة .. لا أن يجد نفسه أمام منشور اختفى دون تفسير.
وهنا يظهر فارق مهم بين الخطأ المهني و**التضليل المتعمد** .. الأول يمكن أن يحدث حتى داخل المؤسسات المهنية .. أما الثاني فيحتاج إلى إثبات النية والوقائع، ولا يجوز تحويل مجرد الاشتباه إلى اتهام.
«التسقيط».. عندما تتحول المعلومة إلى أداة صراع
الأكثر تعقيدًا في الظاهرة هو استخدام المعلومات أو الصور أو المقاطع خارج سياقها بهدف التأثير في صورة شخص أو مؤسسة.
في هذه الحالة لا يكون الهدف بالضرورة إخبار الجمهور بما حدث، وإنما دفعه إلى تبني حكم مسبق على شخص أو جهة.
وقد تكون المعلومة في أصلها صحيحة، لكن طريقة تقديمها تجعلها مضللة .. صورة قديمة يمكن تقديمها باعتبارها حديثة، وتصريح يمكن اقتطاع جزء منه بما يغير معناه، ومقطع قصير يمكن عزله عن سياقه بحيث يبدو وكأنه يثبت شيئًا مختلفًا تمامًا.
وهذا يجعل مكافحة التضليل أكثر صعوبة من مجرد البحث عن «خبر كاذب».
فأحيانًا تكون المشكلة ليست في اختلاق المعلومة، وإنما في إعادة تركيب الحقيقة بطريقة تنتج انطباعًا زائفًا.
من يقف خلف الحملات؟ السؤال الذي يحتاج إلى دليل
يطرح المقال سؤالًا حساسًا حول الجهات التي تقف خلف بعض الحملات، وما إذا كانت هناك عمليات تمويل لبعض المنصات.
وهذا بالفعل سؤال يستحق التحقيق، لكنه في الوقت نفسه لا يحتمل الإجابات الجاهزة.
وجود حملة منظمة لا يعني تلقائيًا وجود جهة سياسية أو مالية خلفها، كما أن تزامن منشورات عدة حسابات لا يكفي وحده لإثبات وجود تنسيق بينها.
الطريق الصحيح يبدأ من التحقيق المهني: تتبع مصادر التمويل، وطبيعة الملكية، وشبكات الحسابات، وأنماط النشر، والمصادر التي تعتمد عليها المنصات، ثم عرض الأدلة التي يمكن التحقق منها.
أما إطلاق الاتهامات دون أدلة فقد يحول مكافحة التضليل نفسها إلى نوع آخر من التضليل.
الذكاء الاصطناعي يرفع سقف الخطر
التحدي المقبل لن يكون فقط في قدرة المنصات على نشر معلومات كاذبة .. وإنما في قدرة التكنولوجيا على جعلها تبدو حقيقية.
فمع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي .. أصبح إنتاج صور ومقاطع صوتية ومواد مرئية شديدة الإقناع أكثر سهولة .. وهذا يعني أن سؤال «هل الصورة حقيقية؟» لم يعد دائمًا كافيًا، وأن التحقق سيحتاج بصورة متزايدة إلى معرفة المصدر والسياق وتاريخ المادة وأصلها.
وفي المجتمعات التي تعاني أصلًا من استقطاب سياسي أو اجتماعي .. يمكن لمادة مزيفة أن تجد جمهورًا مستعدًا لتصديقها قبل البحث في حقيقتها.
وهنا تصبح المشكلة اجتماعية بقدر ما هي إعلامية.
المواطن ليس مجرد متلقٍ
الجانب الآخر من القضية يتعلق بالجمهور نفسه.
فمواجهة الأخبار المضللة لا يمكن أن تقع بالكامل على عاتق المؤسسات الإعلامية أو الجهات الرقابية .. المستخدم الذي يعيد نشر معلومة لمجرد أنها تتفق مع موقفه يتحول، من دون قصد، إلى جزء من دورة انتشارها.
ولهذا تصبح الثقافة الإعلامية والرقمية عنصرًا أساسيًا في حماية المجال العام.
السؤال البسيط قبل المشاركة: من أين جاءت المعلومة؟ هل يوجد مصدر أصلي؟ هل التاريخ والسياق واضحان؟ هل نشرت جهة موثوقة الرواية نفسها؟
قد لا تمنع هذه الأسئلة كل أشكال التضليل، لكنها تقلل كثيرًا من سرعة انتشاره.
المطلوب ليس خنق الفضاء الرقمي
الحل لا يمكن أن يكون بتحويل مكافحة الأخبار الكاذبة إلى مبرر لتقييد كل محتوى نقدي أو مخالف.
فحرية التعبير والصحافة تقوم أصلًا على حق طرح الأسئلة وانتقاد المؤسسات والشخصيات العامة، لكن هذا الحق لا يعني منح حصانة لاستخدام الاتهامات بلا دليل أو نشر معلومات مختلقة.
المعادلة الأكثر توازنًا هي الفصل بين النقد المشروع و**التشهير**، وبين الخطأ الصحفي و**التضليل المتعمد**، وبين المعلومة غير المؤكدة و**الادعاء الذي يقدم للجمهور باعتباره حقيقة**.
وفي النهاية .. فإن أخطر ما في الفوضى الرقمية ليس منشورًا كاذبًا بعينه، وإنما اعتياد الجمهور على عدم معرفة أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الرواية.
وهنا تكمن أهمية القضية التي يطرحها المقال الأصلي: حماية المجتمع العراقي من التضليل لا تعني فقط ملاحقة من ينشر خبرًا كاذبًا، بل بناء بيئة إعلامية ورقمية تصبح فيها الدقة أكثر قيمة من سرعة الانتشار، والتصحيح جزءًا من المهنية، والدليل أقوى من الادعاء.
فحين يفقد المواطن ثقته في كل ما يقرأ، لا تنتصر الحقيقة على الكذب .. بل يخسر الاثنان معًا، وتصبح الفوضى هي المستفيد الأكبر.
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء




















