ما الذي كشفه الجدل حول كليات القمة في مصر؟


تقرير تحليلي – الساعة عربية
مع إعلان نتائج الثانوية العامة كل عام، يعود إلى الواجهة الجدل نفسه حول ما يُعرف مجتمعيًا بـ"كليات القمة" .. فبين فرحة الالتحاق ببعض الكليات، وخيبة أمل آخرين لم يحالفهم المجموع، يتجدد السؤال: هل يعكس هذا التصنيف القيمة الحقيقية للتخصصات الجامعية .. أم أنه أصبح مجرد ميراث اجتماعي لا يواكب احتياجات الدولة وسوق العمل؟
وقد أعاد الكاتب والمفكر الدكتور عمار علي حسن، في مقال نشرته جريدة "المصري اليوم" .. فتح هذا الملف من زاوية تتجاوز تنسيق الجامعات .. منتقدًا الثقافة التي قسمت التخصصات إلى "قمة" و"قاع" .. ويقدم هذا التقرير قراءة تحليلية مستقلة للأفكار التي طرحها المقال، في سياق أوسع يرتبط بمستقبل التعليم والتنمية في مصر.
تصنيف لم تصنعه الجامعات .. بل المجتمع
لا يوجد في اللوائح الجامعية المصرية ما يسمى رسميًا بـ"كليات القمة" .. لكن المصطلح ترسخ عبر عقود داخل المجتمع .. حتى أصبح معيارًا للحكم على نجاح الطالب قبل أن يبدأ حياته الجامعية.
هذا التصنيف لم ينشأ من تقييم علمي للتخصصات .. بقدر ما ارتبط بدرجات القبول في الثانوية العامة .. ثم بفرص العمل ومستويات الدخل والمكانة الاجتماعية التي تمنحها بعض المهن .. وهكذا تحولت أسماء كليات بعينها إلى هدف لآلاف الأسر .. بينما تراجعت قيمة تخصصات أخرى، رغم أهميتها في بناء الاقتصاد والمجتمع.
هل أصبح التعليم مجرد طريق إلى الوظيفة؟
من أبرز القضايا التي يثيرها المقال أن فلسفة التعليم نفسها شهدت تحولًا كبيرًا .. فبدلًا من النظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة لإنتاج المعرفة وبناء الإنسان .. أصبحت لدى كثيرين وسيلة للحصول على وظيفة ذات دخل مرتفع.
هذه النظرة تبدو مفهومة في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة .. لكنها تطرح سؤالًا أكبر: هل يكفي أن يختار المجتمع تخصصاته الجامعية بناءً على الرواتب فقط؟
فالاقتصادات الحديثة تحتاج إلى تنوع في الكفاءات .. وليس إلى تخريج أعداد كبيرة من تخصصات محددة على حساب مجالات أخرى لا تقل أهمية.
الزراعة .. نموذج لتخصص يدفع ثمن الصورة الذهنية
اتخذ عمار علي حسن من كلية الزراعة مثالًا على الخلل في التصنيف السائد .. معتبرًا أنها من أكثر الكليات ارتباطًا باحتياجات الدولة .. خاصة في ظل تحديات الأمن الغذائي والتوسع الزراعي وندرة المياه.
والواقع أن مصر تستثمر خلال السنوات الأخيرة في مشروعات زراعية واستصلاح أراضٍ وتطوير نظم الري .. إلى جانب السعي لزيادة الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الواردات الغذائية .. وهي أهداف تجعل من خريجي الزراعة والعلوم المرتبطة بها عنصرًا رئيسيًا في أي خطة للتنمية.
ورغم ذلك .. لا تزال هذه الكليات بعيدة عن اهتمامات كثير من أصحاب المجاميع المرتفعة .. بسبب الصورة الاجتماعية التي ترسخت عبر سنوات طويلة.
بين احتياجات الدولة واختيارات المجتمع
ما يلفت الانتباه أن احتياجات الاقتصاد ليست دائمًا هي نفسها اختيارات المجتمع.
فقد تحتاج الدولة إلى علماء في الزراعة والعلوم والرياضيات والكيمياء والفيزياء .. بينما يظل الإقبال الأكبر منصبًا على عدد محدود من الكليات التي ارتبطت تاريخيًا بالوجاهة الاجتماعية أو العائد المالي.
وهنا تظهر فجوة بين ما يحتاجه مشروع التنمية .. وما يدفع المجتمع أبناءه إليه، وهي فجوة لا يمكن معالجتها فقط عبر تغيير قواعد التنسيق .. وإنما تتطلب تغييرًا في الثقافة السائدة.
هل معيار النجاح هو اسم الكلية؟
النقطة الجوهرية التي يثيرها المقال لا تتمثل في التقليل من شأن أي كلية .. بل في الاعتراض على فكرة أن اسم الكلية وحده هو الذي يحدد مستقبل الطالب.
فالخبرات العملية تثبت أن التفوق داخل أي تخصص، والقدرة على الابتكار والتطوير .. قد يفتحان آفاقًا أوسع بكثير من مجرد الالتحاق بكلية ذات تنسيق مرتفع.
وفي المقابل .. فإن الدراسة في كلية توصف بأنها "قمة" لا تعني تلقائيًا النجاح المهني أو الاقتصادي .. خاصة مع تغير طبيعة سوق العمل وظهور تخصصات جديدة أصبحت أكثر طلبًا خلال السنوات الأخيرة.
سوق العمل يتغير .. فهل تغيرت نظرتنا؟
العالم يشهد تغيرات متسارعة في طبيعة الوظائف .. مع توسع مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة المتجددة، وتحليل البيانات.
وفي المقابل .. لا تزال بعض المجتمعات تتمسك بتصنيفات قديمة للتخصصات .. رغم أن سوق العمل نفسه لم يعد يعترف بهذه الحدود التقليدية.
ومن هنا، فإن إعادة تقييم مكانة التخصصات الجامعية أصبحت ضرورة، ليس فقط من أجل الطلاب، وإنما لضمان وجود كوادر مؤهلة في جميع القطاعات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني.
القضية أكبر من تنسيق الجامعات
في جوهره، لا يناقش المقال درجات القبول بقدر ما يناقش الثقافة التي صنعت مفهوم "كليات القمة".
فالطالب الذي يختار تخصصًا يناسب قدراته وميوله، ويجد بيئة تساعده على الإبداع .. قد يحقق نجاحًا أكبر من طالب التحق بكلية مرموقة فقط لأن مجموع درجاته سمح بذلك.
كما أن قيمة أي تخصص لا تقاس فقط بمتوسط الرواتب .. وإنما بدوره في خدمة المجتمع، وإسهامه في البحث العلمي، وقدرته على دعم خطط التنمية.
الخلاصة
أعاد مقال الدكتور عمار علي حسن طرح قضية تتجاوز موسم الثانوية العامة .. وتمس فلسفة التعليم ونظرة المجتمع إلى المعرفة والعمل.
فالحديث عن "كليات القمة" لا يتعلق بمكانة الطب أو الهندسة أو غيرهما من التخصصات .. وإنما يدعو إلى مراجعة معيار قديم أصبح يقيس قيمة الطالب باسم الكلية أكثر مما يقيسها بما يستطيع أن يقدمه بعد التخرج.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل آن الأوان للانتقال من ثقافة "ما هي كلية القمة؟" إلى ثقافة "ما التخصص الذي تحتاجه الدولة ويبدع فيه الطالب؟" .. ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال خطوة مهمة نحو تعليم أكثر توازنًا، وتنمية أكثر استدامة.
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء




















