المولد النبوي في متحف الحضارة .. تراث يُروى بطريقة مختلفة


سيف التميمي – الساعة عربية
لا تقتصر علاقة المتاحف بالمناسبات الدينية والثقافية على تنظيم احتفالات موسمية، بل يمكن أن تتحول هذه المناسبات إلى وسيلة لإعادة تقديم التراث للجمهور بصورة أقرب إلى الحياة اليومية .. وفي هذا السياق، نظم المتحف القومي للحضارة المصرية، بالتعاون مع متحف الفن الإسلامي، فعالية «نور الهدى .. سيرته وأخلاقه» احتفالًا بالمولد النبوي الشريف لعام 1448هـ، من خلال معرض أثري مؤقت وبرنامج ثقافي وفني وتعليمي متنوع.
وتكتسب الفعالية أهميتها من الجمع بين المقتنيات الأثرية ومظاهر الثقافة الشعبية المرتبطة بالمناسبة، بما يتيح للزائر رؤية جانب من تاريخ الفنون الإسلامية وعادات الاحتفال بالمولد، بدلًا من تقديم القطع الأثرية باعتبارها مجرد مقتنيات معروضة داخل خزائن المتحف.
معرض مؤقت يربط الفن الإسلامي بالمناسبة
أقيم المعرض في قاعة النسيج المصري بالمتحف القومي للحضارة المصرية، بالتعاون مع متحف الفن الإسلامي، وضم مجموعة من القطع الأثرية التي تعكس جوانب من الفنون والثقافة الإسلامية المرتبطة بالمولد النبوي.
وتنوعت المعروضات بين المشغولات المعدنية، والأعمال الخشبية، ونماذج من الفنون الخزفية والفخارية، بما يعكس اختلاف التقنيات والأساليب الفنية التي استخدمها الفنانون عبر فترات مختلفة.
ومن بين القطع التي سلط عليها المعرض الضوء قطعة خزفية مزخرفة بكتابات من القرآن الكريم، تحمل لفظ الجلالة واسم النبي، وفي أركانها الأربعة أسماء الخلفاء الراشدين، وفق البيانات المصاحبة للفعالية.
وتكمن القيمة الأساسية لهذا النوع من العرض في وضع القطعة الأثرية داخل سياق ثقافي مفهوم للزائر؛ فالهدف لا يصبح مشاهدة العمل الفني فقط، وإنما التعرف على بعض أشكال التعبير الفني والديني والاجتماعي التي ارتبطت بالحياة الإسلامية عبر التاريخ.
حضور رسمي يؤكد أهمية التعاون المتحفي
افتتح فعاليات معرض «نور الهدى.. سيرته وأخلاقه» الدكتور الطيب عباس، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف القومي للحضارة المصرية، بحضور الدكتور أحمد محمد حميدة، رئيس قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار، والدكتور أشرف أبو اليزيد، المشرف العام على الإدارة المركزية للمتاحف النوعية، إلى جانب الأستاذة ريهام محمد، مدير إدارة العرض المتحفي، نيابة عن الأستاذ أحمد صيام، مدير متحف الفن الإسلامي، وعدد من قيادات المتحف والعاملين به.
ويعكس هذا الحضور الرسمي أن الفعالية لم تُقدم باعتبارها احتفالًا موسميًا فحسب، وإنما جاءت في إطار توجه مؤسسي لتعزيز التعاون بين المتاحف المصرية وتبادل الخبرات والمقتنيات وإعادة تقديمها للجمهور في سياقات عرض متنوعة.
وأكد الدكتور الطيب عباس أن تنظيم المعرض يأتي ضمن توجه المتحف نحو تعزيز التعاون والتكامل بين المتاحف المصرية، بما يسمح بتبادل الخبرات وإتاحة المقتنيات المتحفية أمام الجمهور من خلال موضوعات وأساليب عرض مختلفة.
وأشار إلى أن احتفاء المتحف بالأعياد والمناسبات الدينية والثقافية يستهدف أيضًا تعزيز علاقة الجمهور بالمتاحف، ورفع مستوى الوعي الأثري والثقافي، موضحًا أن المعرض يضم نماذج متنوعة من روائع الفن الإسلامي، بينها المشغولات المعدنية والأعمال الخشبية والفنون الخزفية والفخارية، بما يعكس تنوع التقنيات والجماليات والقيم التاريخية التي تميز هذا التراث.
من جانبه، أوضح الدكتور أحمد محمد حميدة أن التعاون بين المتحف القومي للحضارة المصرية ومتحف الفن الإسلامي يستهدف إبراز جوانب من التراث والحضارة الإسلامية والتعريف بالفنون التي ارتبطت بالمناسبات الدينية والاجتماعية.
وتبرز أهمية هذه الرؤية في طريقة تقديم التراث إلى الجمهور؛ إذ إن تحويل المقتنيات إلى مادة مرتبطة بمناسبة يعرفها الناس ويحتفلون بها يجعل الوصول إلى مضمونها التاريخي والثقافي أكثر سهولة، خاصة بالنسبة إلى الأطفال والشباب، وهو ما أشار إليه حميدة باعتباره أحد أهداف هذه الفعاليات.
قطعة خزفية تختصر جانبًا من تاريخ المناسبة
ومن الناحية الأثرية، أوضح الدكتور سيد أبو الفضل، مدير إدارة العرض المتحفي بالمتحف القومي للحضارة المصرية، أن المعرض يضم قطعة خزفية بارزة مزخرفة بكتابات من القرآن الكريم، وتحمل لفظ الجلالة واسم النبي، بينما تظهر في أركانها الأربعة أسماء الخلفاء الراشدين.
وتكتسب هذه القطعة أهمية داخل سياق المعرض لأنها لا تقدم باعتبارها عملًا فنيًا منفصلًا، وإنما ضمن مجموعة من المقتنيات التي تساعد الزائر على التعرف إلى الفنون الإسلامية وثقافة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وأشكال الاحتفاء بالمناسبة عبر العصور.
وهنا تحديدًا تظهر القيمة الحقيقية للمعرض: فالمقتنيات الأثرية لا تُعرض بمعزل عن المجتمع، وإنما تُستخدم لشرح العلاقة بين الفن والحياة الدينية والاجتماعية، وهو ما يمنح الزائر مدخلًا أكثر وضوحًا لفهم السياق الذي أنتج هذه الأعمال.
الأطفال والشباب في قلب الفعالية
لم تقتصر «نور الهدى» على المعرض الأثري، وإنما امتدت إلى برنامج تعليمي وفني استهدف الزوار من مختلف الأعمار، مع اهتمام واضح بالأطفال والشباب.
ونظم القسم التعليمي بالمتحف ورشًا فنية وجلسات حكي تناولت تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي خلال العصور الإسلامية، إضافة إلى التعريف بأشكال الاحتفال ومظاهره عبر التاريخ.
كما تضمن البرنامج عروضًا للعرائس والتنورة للأطفال، إلى جانب الأناشيد الدينية والأغاني الفلكلورية المصرية والقصائد الدينية.
ويعكس هذا التنوع توجهًا متحفيًا يقوم على جعل التعلم جزءًا من التجربة الثقافية، بدلًا من الاعتماد على العرض التقليدي للمقتنيات وحده .. وبالنسبة للأطفال تحديدًا، يمكن للورش والحكي والعروض الفنية أن تجعل التعرف على التراث أكثر سهولة من خلال أدوات تتناسب مع أعمارهم.
التراث المادي وغير المادي في مساحة واحدة
من أبرز جوانب الفعالية الجمع بين نوعين من التراث: التراث المادي الذي تمثله القطع الأثرية، و**التراث غير المادي** الذي يظهر في العادات والأغاني والفنون الشعبية ومظاهر الاحتفال.
وظهر هذا الجانب من خلال مشاركة فريق مبادرة «طبلية مصر»، إلى جانب تقديم نماذج فنية مستوحاة من أجواء المولد، من بينها مجسمات للعروسة والحصان، وتوزيع هدايا تذكارية صغيرة مستوحاة من الرموز التقليدية للمناسبة.
وهنا تتجاوز الفعالية فكرة الاحتفال داخل المتحف إلى محاولة تقديم صورة أوسع عن كيفية انتقال عناصر الثقافة الشعبية بين الأجيال. فالعروسة والحصان، والأغاني والإنشاد، ومظاهر الاحتفال المختلفة، ليست منفصلة عن السياق التاريخي والاجتماعي الذي نشأت فيه، وإنما تمثل جزءًا من الذاكرة الثقافية للمجتمع.
ماذا تضيف هذه الفعاليات إلى السياحة الثقافية؟
من الناحية السياحية، لا تقدم الفعاليات المتحفية بالضرورة منتجًا سياحيًا مستقلًا، لكنها يمكن أن تضيف عنصرًا جديدًا إلى تجربة زيارة المتحف، خصوصًا عندما تتزامن مع مناسبة ثقافية أو دينية معروفة.
كما أن إشراك الزوار من مختلف الجنسيات في الفعاليات يتيح تقديم جانب من الثقافة المصرية المعاصرة المرتبط بتراثها التاريخي، وهو ما يوسع مفهوم الزيارة من مشاهدة الآثار إلى التعرف على المجتمع الذي حافظ على كثير من عناصر هذا التراث وطورها عبر الزمن.
وتبرز أهمية ذلك في المتاحف التي تستهدف الجمع بين الوظيفة الثقافية والدور المجتمعي؛ إذ تصبح الفعالية وسيلة للتواصل مع الجمهور، وليس مجرد نشاط جانبي مصاحب للعرض المتحفي.
المتحف كمساحة للتعلم والتواصل
تكشف فعالية «نور الهدى.. سيرته وأخلاقه» عن نموذج يعتمد على الجمع بين القطعة الأثرية والفنون والحكي والأنشطة التعليمية .. وهذا النموذج يمنح الزائر أكثر من مدخل لفهم الموضوع نفسه، سواء من خلال مشاهدة المقتنيات، أو الاستماع إلى القصائد والأناشيد، أو المشاركة في الورش، أو التعرف على مظاهر الاحتفال الشعبي.
وفي ضوء ذلك، يمكن النظر إلى الفعالية باعتبارها تجربة تجمع بين العرض الأثري والتواصل المجتمعي، وليس مجرد احتفال بالمولد النبوي .. وتظل قيمتها المستقبلية مرتبطة بقدرة المتاحف على الاستمرار في تقديم برامج تربط مقتنياتها بالحياة الثقافية للمجتمع، وتمنح الأطفال والشباب فرصًا مباشرة لاكتشاف التراث وفهمه .. وإذا استمر هذا النهج، فقد يصبح المتحف مساحة أكثر حضورًا في الحياة الثقافية والسياحية، تجمع بين حفظ التراث وتقديمه للأجيال الجديدة بصورة مفهومة وجذابة.
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء




















