بعد «فضفضة» ضياء رشوان .. مجدي الجلاد «يفضفض للتاريخ»


أدهم الشريف – الساعة عربية
أثار الكاتب الصحفي والإعلامي مجدي الجلاد نقاشًا موسعًا حول مستقبل الصحافة والإعلام المصريين .. تعليقًا على ما طرحه الكاتب الصحفي ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام .. في حديثه الموجه إلى الصحفيين والإعلاميين بشأن أوضاع المهنة وضرورة تطويرها.
لكن أهمية ما كتبه الجلاد لا تتوقف عند حدود التعقيب على تصريحات زميل .. وإنما تكمن في أنه نقل النقاش من مستوى الدعوة إلى «إعلام مهني ومسؤول» إلى أسئلة أكثر صعوبة تتعلق بالبيئة التي يعمل داخلها الصحفي والإعلامي: مساحة الحركة، تدفق المعلومات، معايير اختيار القيادات والكوادر، العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والدولة، ومستقبل الصحافة في ظل التحول الرقمي.
وهنا تحديدًا تصبح القضية أكبر من «فضفضة» بين اثنين من أبناء المهنة .. لأنها تضع أمام المشهد الإعلامي مجموعة من الأسئلة التي يصعب تجاوزها إذا كان الهدف هو استعادة الثقة وتطوير الصناعة.
بداية النقاش: ماذا قال ضياء رشوان؟
المادة التي علق عليها الجلاد جاءت في صورة رسالة من ضياء رشوان إلى الصحفيين والإعلاميين .. طرح خلالها مجموعة من المقترحات المرتبطة بتطوير العمل الإعلامي .. من بينها توسيع مساحة الحوار الموضوعي، وإتاحة الرأي والرأي الآخر، وتعزيز حضور المواطن في وسائل الإعلام، وزيادة الاهتمام بالثقافة .. إلى جانب التشديد على المهنية وحرية الرأي المسؤولة واحترام القانون ومواثيق الشرف.
كما ربط رشوان دور الإعلام بملفات أوسع .. من بينها تنشيط الحياة الحزبية، وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، والاستعداد لانتخابات المجالس المحلية .. فضلًا عن التعامل مع التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع.
هذه الرؤية .. في جوهرها .. تضع على وسائل الإعلام مسؤوليات متعددة .ز لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام السؤال الأهم: هل يمكن أن يؤدي الإعلام هذه الأدوار بكفاءة من دون معالجة المشكلات التي تعوق قدرته على العمل؟
الجلاد يغيّر زاوية النظر
اختار مجدي الجلاد ألا يناقش «الفضفضة» من زاوية مهنية ضيقة .. وإنما وسّع دائرة النقاش باتجاه الدولة والمؤسسات المنظمة للعمل الإعلامي.
ومن أبرز ما طرحه أن الأزمة لا تتعلق فقط بأداء الصحفي أو الإعلامي .. وإنما ببيئة مهنية كاملة يرى أنها تحتاج إلى مراجعة .. فهو يشير إلى قضايا تتعلق بحرية تداول المعلومات، وطبيعة الملكية الإعلامية، والفصل بين الملكية والإدارة والتحرير، وتراجع أوضاع المهنة، فضلًا عن تحديات التحول التكنولوجي.
وبذلك يصبح السؤال مختلفًا: هل المطلوب من الصحفي أن يكون أكثر مهنية فقط .. أم أن البيئة المحيطة بالمهنة نفسها تحتاج إلى إصلاح يتيح لهذه المهنية أن تعمل؟
وهذه نقطة جوهرية .. لأن المهنية ليست مجرد مهارة في كتابة الخبر أو إعداد التقرير .. وإنما منظومة متكاملة تبدأ من الوصول إلى المعلومات .. مرورًا بالتحقق منها .. ثم صياغتها ونشرها .. وصولًا إلى القدرة على طرح الأسئلة المختلفة ومناقشة القضايا العامة.
أزمة الثقة تبدأ من الخبر
من أكثر الأفكار أهمية في طرح الجلاد حديثه عن مكانة «الخبر» في العمل الصحفي والإعلامي.
فالخبر هو نقطة البداية التي تُبنى عليها التحليلات والتفسيرات والتعليقات .. وإذا أصبح الوصول إلى المعلومة الأساسية صعبًا .. فإن مساحة التحليل نفسها تصبح محدودة .. لأن الرأي يحتاج إلى وقائع يستند إليها.
وهنا تظهر معادلة مهمة: كلما اتسعت مساحة المعلومات الموثقة .. زادت قدرة الإعلام على تقديم تحليل أكثر عمقًا وأقل اعتمادًا على التكهنات.
أما إذا ضاقت مساحة المعلومة .. فقد يبحث الجمهور عن مصادر بديلة .. وهو ما يضع الإعلام التقليدي أمام تحدي المنافسة مع منصات رقمية ومصادر متعددة لا تعمل بالضرورة وفق القواعد المهنية نفسها.
ومن ثم .. فإن استعادة ثقة الجمهور لا ترتبط فقط بطريقة تقديم المحتوى .. وإنما أيضًا بمدى شعور المواطن بأن الإعلام ينقل ما يراه ويعيشه، ويطرح الأسئلة التي تشغله، ويقدم له معلومات يمكن الاعتماد عليها.
«إعلام يرضي الدولة» أم «إعلام ينفع الدولة»؟
ربما تكون هذه العبارة التي طرحها الجلاد واحدة من أكثر النقاط التي تختصر جوهر النقاش.
فالإعلام الذي يخدم الدولة لا يعني بالضرورة إعلامًا يتبنى موقف المؤسسات الرسمية في كل قضية .. بل يمكن أن تكون فائدته للدولة والمجتمع في قدرته على كشف المشكلات، ونقل شكاوى المواطنين، وطرح الأسئلة، وتقديم المعلومات، وفتح مساحات للنقاش.
وهنا لا يصبح الاختلاف المهني خصومة سياسية بالضرورة .. كما لا تتحول المعارضة في الرأي تلقائيًا إلى موقف ضد الدولة.
وفي المقابل .. فإن مفهوم «الحرية المسؤولة» الذي طرحه رشوان يظل جزءًا أساسيًا من المعادلة؛ فالحرية الصحفية لا تعني نشر معلومات غير موثقة أو التشهير بالأفراد أو تجاهل القانون ومواثيق الشرف.
المشكلة إذن ليست في وجود المسؤولية .. وإنما في كيفية تحقيق التوازن بين حرية الصحفي وحق المجتمع في المعرفة، وبين حماية حقوق الأفراد والمؤسسات والالتزام بالقانون.
الصحافة الإلكترونية .. سؤال لم يعد قابلًا للتأجيل
من الملفات التي يضعها الجدل الحالي في الواجهة أيضًا مسألة الصحافة الإلكترونية.
فالمشهد الإعلامي تغير بصورة كبيرة، ولم يعد القارئ ينتظر الصحيفة الورقية حتى يعرف ما حدث .. الخبر أصبح يصل إليه عبر المواقع والمنصات الرقمية ووسائل التواصل، وأصبح الصحفي يعمل في بيئة تعتمد على السرعة والتحديث المستمر وتعدد أشكال المحتوى.
وهذا التحول يفرض سؤالًا مؤسسيًا ومهنيًا حول مدى قدرة القواعد المنظمة للمهنة على مواكبة الواقع الجديد، وهو سؤال أشار إليه الجلاد بوضوح في حديثه عن الصحافة الإلكترونية وموقع العاملين بها داخل المنظومة المهنية.
لكن الأهم أن الاعتراف بتغير الوسيلة يجب ألا يأتي على حساب المعايير .. فالصحافة الرقمية تحتاج إلى تدقيق المصادر والتحقق من المعلومات واحترام الخصوصية وحق الرد، وربما تحتاج هذه المعايير إلى تطبيق أكثر صرامة بسبب سرعة انتشار المحتوى.
الأزمة ليست فقط في المؤسسات .. بل في الإنسان
خلف كل هذه الملفات يوجد الصحفي نفسه.
الصحفي الذي يحتاج إلى التدريب المستمر، والاطلاع، وشراء الكتب، وتطوير أدواته، ومواكبة التكنولوجيا .. لا يستطيع أن يفصل ظروفه المهنية والاقتصادية عن جودة المنتج الذي يقدمه.
ولهذا فإن إصلاح الإعلام لا يمكن اختزاله في القوانين أو الهياكل فقط .. هناك جانب يتعلق بالموارد البشرية، وفرص التطور، والقدرة على جذب الشباب إلى المهنة، والحفاظ على أصحاب الخبرة والكفاءة.
كما أن فقدان الحافز لدى الصحفي الشاب لا يؤثر في شخصه وحده .. وإنما يمتد إلى المؤسسة والجمهور والصناعة بأكملها.
ما الذي يمكن أن يحدث إذا بدأ الإصلاح؟
الرسالتان .. رغم اختلاف زاويتيهما، تلتقيان في نقطة مهمة: الإعلام يحتاج إلى مراجعة حقيقية.
رشوان تحدث عن المهنية والمسؤولية وفتح المجال أمام الحوار .. بينما ذهب الجلاد إلى الأسئلة الأعمق المتعلقة بالبيئة التي تسمح لهذه المهنية بأن تؤدي دورها.
والخطوة الأكثر أهمية ليست أن ينتصر رأي على آخر .. وإنما أن يتحول النقاش من «الفضفضة» إلى إجراءات قابلة للقياس: كيف يحصل الصحفي على المعلومات؟ .. كيف تُقاس الكفاءة؟ .. كيف تُحمى المهنية؟ .. كيف تتطور المؤسسات؟ .. وكيف يمكن أن يصبح المواطن حاضرًا بصورة حقيقية في الإعلام؟
في النهاية .. تبدو قيمة هذا النقاش في أنه يعيد الصحافة إلى السؤال الذي يفترض أن يكون في قلب كل إصلاح إعلامي: ما الذي يحتاجه المجتمع من إعلامه؟
فالإعلام الذي يكتفي بإرضاء الجميع قد يفقد قدرته على طرح الأسئلة .. بينما الإعلام الذي يعمل وفق قواعد مهنية واضحة يمكنه أن يكون مساحة للنقاش، وأداة لفهم المشكلات، ووسيلة لنقل صوت المواطن، وفي الوقت نفسه مؤسسة مسؤولة تلتزم بالقانون وأخلاقيات المهنة.
والاختبار الحقيقي لأي حديث عن إصلاح الإعلام لن يكون في عدد البيانات أو التصريحات .. وإنما في مقدار ما يتحول منها إلى ممارسة يومية يلمسها الصحفي والمواطن معًا.
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء




















