ماذا يريد ضياء رشوان من الإعلام المصري في المرحلة المقبلة ؟


ماجد السديري – الساعة عربية
أعاد الكاتب الصحفي ووزير الدولة للإعلام ضياء رشوان طرح ملف الإعلام المصري على طاولة النقاش العام .. من خلال نداء وجّهه إلى الصحفيين والإعلاميين .. تضمن مجموعة من المقترحات المرتبطة بتوسيع مساحة النقاش العام، وتنشيط الحياة السياسية، وإعطاء المواطن مساحة أكبر داخل وسائل الإعلام .. إلى جانب الاهتمام بالثقافة والتمسك بالمعايير المهنية.
اللافت في الطرح أنه لا يتعامل مع الإعلام باعتباره مجرد وسيلة لنقل الأخبار .. وإنما يضعه داخل منظومة أوسع تتصل بالوعي العام، والمشاركة السياسية، وعلاقة المواطن بمؤسسات الدولة، ودور الصحافة في حماية الحق في المعرفة.
وبعيدًا عن تفاصيل الخطاب نفسه .. فإن أهم ما يطرحه هو سؤال أوسع: كيف يمكن للإعلام المصري أن يستعيد دوره كمساحة للنقاش العام .. في وقت تغيرت فيه طبيعة الجمهور ووسائل الحصول على المعلومات بصورة جذرية؟
اجتماع سنوي .. هل يتحول الحوار إلى آلية مستمرة؟
أبرز ما تضمنه النداء هو الدعوة إلى الاستجابة لتوجيه رئاسي بعقد اجتماع سنوي لمراجعة أوضاع الإعلام المصري .. مبدئيًا في 3 ديسمبر من كل عام .. برعاية رئيس الجمهورية .. على أن يناقش التحديات والفرص ويخرج بتوصيات عملية لتطوير الإعلام.
أهمية الفكرة لا تتوقف عند عقد اجتماع سنوي في حد ذاته .. وإنما في إمكانية تحويل مراجعة واقع الإعلام من مناسبات متفرقة إلى عملية دورية لتقييم الأداء ومناقشة المشكلات والبحث عن حلول.
لكن نجاح أي إطار من هذا النوع سيظل مرتبطًا بما يحدث قبل الاجتماع وبعده.
فالحوار الإعلامي لا يمكن أن يبدأ يوم انعقاد الاجتماع وينتهي بانتهاء جلساته .. القيمة الحقيقية تظهر عندما تصبح القضايا المطروحة جزءًا من نقاش مستمر، وتتاح أمامها مساحات حقيقية في الصحف والقنوات والمنصات الرقمية .. مع تمثيل الآراء المختلفة بصورة مهنية.
وهنا تبرز نقطة جوهرية في طرح رشوان: الدعوة إلى إتاحة المجال للرأي والرأي الآخر ضمن محددات الموضوعية والاحترام.
الإعلام والحياة السياسية .. علاقة تتجاوز نقل الأخبار
يربط النداء بين الإعلام وبين التوجيهات الخاصة بتنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية والاستعداد لانتخابات المجالس المحلية.
وهذه النقطة تحمل دلالة سياسية مهمة؛ لأن الإعلام لا يكتفي في أي مجتمع حديث بتغطية النشاط السياسي .. بل يمكن أن يؤدي دورًا في شرح البرامج والأفكار والسياسات للجمهور.
ومن هنا تأتي الدعوة إلى تخصيص مساحات وأبواب وبرامج لمناقشة قضايا الأحزاب والمشاركة السياسية والاستعدادات الخاصة بالمجالس المحلية.
لكن هذا الدور يحتاج إلى توازن دقيق.
فإذا تحول الإعلام إلى مجرد منصة للترويج .. فقد يفقد قدرته على أداء دوره التفسيري والرقابي .. وفي المقابل .. فإن تقديم الخلاف السياسي باعتباره صراعًا دائمًا قد يبعد الجمهور عن المشاركة بدلًا من تشجيعه عليها.
المعادلة الأكثر أهمية هي أن يعرف المواطن من يقول ماذا؟ ولماذا؟ وما البدائل المطروحة؟ وما أثر كل خيار عليه؟
وهنا يصبح الإعلام أداة لتبسيط السياسة وليس تعقيدها.
المواطن .. من متلقٍ للخبر إلى طرف في المعادلة
ربما يكون الجزء الأكثر ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطن هو الدعوة إلى تعزيز حضوره داخل وسائل الإعلام.
فالحديث عن الإعلام لا يكتمل إذا ظل المواطن مجرد مشاهد أو قارئ يتلقى الأخبار دون أن يجد مساحة لعرض مشكلاته واحتياجاته.
ويشير طرح وزير الدولة للإعلام إلى أهمية الاستفادة من تجارب مثل منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة وصفحة وزارة الداخلية على موقع فيسبوك .. باعتبارهما نموذجين لحضور شكاوى المواطنين وتفاعل مؤسسات الدولة معها.
لكن نقل هذه التجربة إلى المجال الإعلامي يفتح مساحة أكبر للسؤال عن طبيعة هذا الدور.
فالإعلام يستطيع أن ينقل المشكلة .. لكنه لا ينبغي أن يحول كل شكوى إلى إدانة مسبقة .. وهنا تظهر أهمية التحقق، والاستماع إلى الطرفين، وإتاحة رد الجهة المسؤولة .. ثم متابعة ما إذا كانت المشكلة قد حُلّت أم لا.
بهذا المعنى .. تصبح صحافة المواطن أكثر من مجرد نشر شكوى .. إنها عملية متابعة ومساءلة وتحقق.
الثقافة .. ملف يتجاوز الترفيه
يتضمن النداء كذلك دعوة إلى زيادة الاهتمام بالمجالات الثقافية، وربط ذلك ببناء الشخصية والهوية المصرية وتعزيز القوة الناعمة.
وهذا الطرح يعيد الثقافة إلى مساحة غالبًا ما تتراجع أمام الأخبار السياسية والاقتصادية والرياضية.
لكن الثقافة المصرية ليست محصورة في المؤسسات الكبرى أو الأسماء المعروفة.
هناك مواهب في المحافظات، وفنون وحرف وتقاليد وتجارب أدبية وفنية متنوعة، وقد يكون الإعلام قادرًا على اكتشاف هذه المساحات وإعطائها حضورًا أكبر.
ومن هذه الزاوية .. فإن تغطية الثقافة يمكن أن تصبح جزءًا من إعادة اكتشاف المجتمع المصري لنفسه، وليس مجرد مادة جانبية في الصفحات الفنية.
كما أن الاهتمام بالمواهب الجديدة قد يمنح الإعلام وظيفة إضافية تتمثل في صناعة جسور بين الموهبة والجمهور والمؤسسات القادرة على دعمها.
الحرية المهنية .. المعادلة الأصعب
الجزء الأكثر حساسية في النداء يتعلق بالعلاقة بين حرية الصحافة والمسؤولية المهنية.
فالطرح يضع حرية الرأي والتعبير والنقد في إطار الحقوق .. لكنه يربطها أيضًا باحترام كرامة المواطنين وخصوصيتهم، ورفض نشر الاتهامات غير الموثقة أو المعلومات المغلوطة، مع الاحتكام إلى مواثيق الشرف والقانون.
وهذه المعادلة ليست مصرية فقط .. بل تمثل واحدة من أقدم الإشكاليات في الصحافة الحديثة: كيف تحمي حرية التعبير دون أن تتحول الحرية إلى ذريعة للإساءة أو التضليل؟
الإجابة المهنية تبدأ من التحقق.
فالصحفي ليس مطالبًا بأن يكون محايدًا بين الحقيقة والخطأ .. لكنه مطالب بأن يتحقق قبل النشر، وأن يفرق بين الخبر والرأي، وأن يمنح الأطراف المعنية فرصة للرد، وألا يحول الاتهام إلى حقيقة لمجرد تداوله.
وفي عصر المنصات الرقمية .. أصبحت هذه المسؤولية أكثر تعقيدًا .. لأن سرعة النشر قد تجعل تصحيح المعلومة الخاطئة أقل تأثيرًا من انتشارها الأول.
لماذا يأتي هذا الطرح الآن؟
البيئة الإعلامية تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
لم يعد المواطن ينتظر نشرة الأخبار أو الصحيفة الورقية لمعرفة ما يحدث .. بل يحصل على المعلومات من عشرات المصادر في اللحظة نفسها، وقد يتعرض خلال دقائق لخبر صحيح وآخر مضلل وثالث يمثل رأيًا شخصيًا دون أن تكون الحدود بينها واضحة.
لذلك فإن التحدي أمام المؤسسات الإعلامية لم يعد مجرد الوصول إلى الجمهور، وإنما إقناعه بأن ما تقدمه يستحق الثقة.
وهنا تتقاطع جميع النقاط التي طرحها رشوان: الحوار، والمواطن، والسياسة، والثقافة، والحرية المهنية.
فكلما أصبح الإعلام أكثر قدرة على تقديم معلومات موثقة، وشرح القضايا، والاستماع إلى الناس، واستضافة الآراء المختلفة، ارتفعت قيمته في مواجهة المحتوى السريع وغير الموثق.
الخلاصة
النداء الذي طرحه ضياء رشوان يضع أمام الإعلام المصري مجموعة واسعة من الملفات .. لكن جوهرها يمكن اختصاره في سؤال واحد: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الإعلام في المجتمع خلال المرحلة المقبلة؟
الإجابة لن تتحدد فقط بعدد البرامج أو الصفحات أو ساعات البث .. وإنما بقدرة وسائل الإعلام على تحقيق توازن بين حرية التعبير والمسؤولية، وبين نقل الأحداث وتفسيرها، وبين صوت المؤسسات وصوت المواطنين.
أما فكرة الاجتماع السنوي لمراجعة أوضاع الإعلام .. فستكتسب قيمتها الفعلية إذا تحولت من مناسبة دورية إلى مساحة مستمرة لمناقشة المشكلات وقياس ما تحقق من توصيات.
وفي النهاية .. يبقى التحدي الأكبر أمام الإعلام المصري هو استعادة موقعه باعتباره مصدرًا موثوقًا للمعلومة ومساحة جادة للنقاش العام وصوتًا قادرًا على نقل أسئلة المواطن إلى صانع القرار .. دون أن يفقد استقلاله المهني أو مسؤوليته تجاه المجتمع.
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء




















