أصول مصر مقابل الدين .. ماذا وراء مقترح «المقايضة الكبرى» ؟


نجلاء الفهد – الساعة عربية
أعادت تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام لدى بنك الاستثمار القومي إلى الواجهة نقاشًا اقتصاديًا أوسع حول كيفية التعامل مع الدين العام المحلي .. بعد أن طرح المصرفي والاقتصادي حسن هيكل مجددًا فكرة أطلق عليها «المقايضة الكبرى»، تقوم في جوهرها على استخدام بعض أصول الدولة في تسوية جانب من مديونيتها المحلية.
وأثارت الفكرة نقاشًا عامًا بعدما أشار هيكل، في طرحه، إلى إمكانية توسيع النموذج الذي جرى تطبيقه في تسوية مديونية ماسبيرو ليشمل أصولًا مملوكة للدولة، وصولًا في طرحه إلى ذكر ملكية الدولة في الشركات العامة أو قناة السويس. وفي المقابل، انتقد علاء مبارك هذا التصور، محذرًا من التعامل مع قناة السويس باعتبارها أصلًا يمكن إدخاله في مقايضة لتسوية الدين المحلي.
المسألة هنا تتجاوز الخلاف حول رأي اقتصادي بعينه؛ لأنها تفتح سؤالًا أكثر اتساعًا: هل يمكن أن تكون أصول الدولة أداة لإدارة الدين، وما الحدود التي ينبغي وضعها عند التفكير في مثل هذه الآليات؟
ماذا حدث في تسوية مديونية ماسبيرو؟
بحسب البيانات الواردة .. توصل مجلس الوزراء إلى اتفاق لتسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام لدى بنك الاستثمار القومي، والتي بلغت 88.3 مليار جنيه.
وتضمنت التسوية إلغاء فوائد وغرامات تأخير متراكمة على الهيئة بقيمة 51.4 مليار جنيه، إلى جانب نقل ملكية 44 أصلًا غير مستغل تابعًا لها، من أراضٍ ومبانٍ، بقيمة 18.06 مليار جنيه، إلى بنك الاستثمار القومي، باعتبارها سدادًا لجزء من المديونية.
وبذلك أصبح نموذج التسوية قائمًا على تحويل أصول غير مستغلة إلى الطرف الدائن، بدلًا من الاقتصار على السداد النقدي التقليدي.
وهذه هي النقطة التي استند إليها حسن هيكل في إعادة طرح فكرته السابقة، معتبرًا أن ما حدث مع ماسبيرو يمكن النظر إليه كنموذج قابل للنقاش على نطاق أكبر.
ما المقصود بـ«المقايضة الكبرى»؟
كان هيكل قد طرح في يناير 2026 تصورًا يقوم على إنشاء صندوق تُجمع فيه أصول الدولة، ثم استخدامها في مبادلة الديون المحلية بعد نقلها إلى البنك المركزي.
الفكرة، وفق الطرح الوارد في المادة، تستهدف تقليل عبء الدين المحلي وإتاحة مساحة أكبر أمام الدولة للإنفاق على قطاعات مثل التعليم والصحة.
لكن توسيع نموذج ماسبيرو إلى مستوى الدولة يختلف جذريًا عن تسوية مديونية جهة حكومية واحدة. فالأصل الذي يمكن استخدامه في تسوية محددة لا يعني بالضرورة أن النموذج نفسه يمكن تطبيقه على حجم الدين العام كله دون آثار اقتصادية أو مالية أخرى.
وهنا تصبح طبيعة الأصول وقيمتها وملكيتها والعائد الذي تحققه، وكذلك الجهة التي ستنتقل إليها، عناصر أساسية في تقييم أي مقترح من هذا النوع.
حجم الدين يجعل السؤال أكثر تعقيدًا
تكتسب المناقشة وزنًا أكبر عند النظر إلى حجم الدين المحلي. وتشير أحدث البيانات الرسمية الواردة في المادة إلى وصول الدين المحلي إلى 11.057 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2025، مقابل 10.685 تريليون جنيه في الربع الأول من العام نفسه، بزيادة نسبتها 3.5%.
وبالتالي، فإن الحديث عن استخدام الأصول في إدارة الدين لا يتعلق بمبالغ محدودة، وإنما بحجم مالي ضخم يجعل أي تطبيق واسع النطاق بحاجة إلى تقييم دقيق لتأثيراته على الموازنة والقطاع المصرفي والاقتصاد ككل.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن خفض أعباء الدين قد يمنح الدولة مساحة أكبر للإنفاق إذا أدى بالفعل إلى تقليل تكلفة خدمة الدين. لكن الوصول إلى هذه النتيجة يتوقف على تفاصيل الآلية المستخدمة، وقيمة الأصول المنقولة، وطبيعة الديون التي تتم تسويتها، وما إذا كانت العملية تنقل الالتزام من جهة إلى أخرى دون معالجة حقيقية لجذر المشكلة.
أين تبدأ حساسية قناة السويس؟
الجزء الأكثر إثارة للجدل في الطرح يتعلق بالإشارة إلى قناة السويس ضمن الأصول التي يمكن إدخالها في المقايضة.
وقد اعترض علاء مبارك على هذا التصور، معتبرًا أن قناة السويس تمثل ممرًا ملاحيًا عالميًا وشريانًا حيويًا ورمزًا للسيادة الوطنية، وأن إدخالها في مقايضة لتسوية ديون محلية يمثل مخاطرة كبيرة من وجهة نظره.
وفي المقابل، أوضح حسن هيكل في توضيح لاحق أن المقصود يمكن أن يكون ملكيات لوزارة المالية في البنوك أو الشركات العامة، كما طرح رؤيته بشأن قناة السويس من زاوية عدم تأثر السيادة، بحسب ما ورد في المادة.
وهنا يجب التمييز بين الفكرة الاقتصادية المجردة وبين قابلية تطبيقها قانونيًا ومؤسسيًا. فليس كل أصل مملوك للدولة متشابهًا من حيث طبيعة الملكية أو الوظيفة أو الأهمية الاستراتيجية، كما أن قيمة الأصل لا تقاس فقط بسعر يمكن تقديره في عملية مالية، وإنما قد ترتبط بعوائده المستقبلية ووظيفته الاقتصادية والاستراتيجية.
من المستفيد إذا نجحت الفكرة؟
الهدف المعلن من «المقايضة الكبرى» هو تخفيف عبء الدين المحلي وتحرير موارد يمكن توجيهها إلى قطاعات خدمية وتنموية، وهو ما يعني نظريًا استفادة الموازنة العامة إذا انخفضت تكلفة خدمة الدين بالفعل.
وقد تستفيد كذلك الجهات المدينة إذا جرى تخفيف أعبائها وإعادة هيكلة التزاماتها، كما يمكن أن تستفيد الدولة من تحويل بعض الأصول غير المستغلة إلى موارد ذات قيمة مالية.
لكن الجانب الآخر من المعادلة لا يقل أهمية: ماذا تخسر الدولة مقابل خفض الدين؟
إذا كانت الأصول المستخدمة غير مستغلة ولا تحقق عائدًا، فقد تكون المقايضة وسيلة لإعادة توظيف قيمة اقتصادية خاملة. أما إذا كانت الأصول تحقق عوائد أو تحمل قيمة استراتيجية مرتفعة، فإن نقل ملكيتها يحتاج إلى حساب التكلفة البديلة بدقة.
الخلاصة
تسوية مديونية ماسبيرو قدمت حالة عملية لاستخدام الأصول في معالجة مديونية حكومية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات إمكانية تعميم النموذج على الدين المحلي للدولة بأكمله.
أما «المقايضة الكبرى»، فتطرح سؤالًا مشروعًا حول إدارة أصول الدولة والدين المحلي، لكن الإجابة الاقتصادية لا تتوقف على حجم الأصول فقط، بل على طبيعتها، وملكيتها، وعوائدها، وقيمتها الاستراتيجية، والجهة المستفيدة من نقلها، والأثر النهائي على المالية العامة.
ومن ثم، فإن النقاش الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت الدولة تستطيع استخدام أصولها لتسوية بعض الديون، وإنما أي أصول يمكن استخدامها، وتحت أي ضوابط، وبأي تكلفة، وما إذا كانت العملية تؤدي فعلًا إلى تخفيف عبء الدين أم تعيد توزيع الالتزامات والأصول داخل النظام المالي .. وهذه هي النقطة التي ستحدد القيمة الاقتصادية الحقيقية لأي مقترح لتوسيع تجربة تسوية ماسبيرو.
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء




















