خفض فواتير الكهرباء والمواصلات .. هل يمكن للدول النامية تطبيق النموذج البريطاني لمواجهة غلاء المعيشة ؟


نجلاء الفهد – الساعة عربية
تتصدر أزمة غلاء المعيشة أولويات الحكومات في العديد من دول العالم، بعدما أدى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والخدمات خلال السنوات الأخيرة إلى زيادة الضغوط على الأسر. وفي بريطانيا، اختار رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام أن يجعل مواجهة هذه الأزمة في صدارة برنامجه الحكومي، معلنًا حزمة إجراءات تستهدف تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين.
لكن هذه الخطوات، التي حظيت باهتمام واسع، أثارت في الوقت نفسه تساؤلات حول كيفية تمويلها، وما إذا كانت قابلة للاستمرار دون زيادة أعباء الموازنة العامة. كما تطرح سؤالًا يهم كثيرًا من الدول النامية: هل يمكن تطبيق سياسات مماثلة في اقتصادات تعاني أصلًا من ضغوط مالية وارتفاع مستويات الدين؟
ماذا تتضمن الخطة البريطانية؟
بحسب ما أعلنته الحكومة البريطانية، فإن أولى الإجراءات تشمل إلغاء ضريبة القيمة المضافة على فواتير الكهرباء اعتبارًا من أكتوبر المقبل، وهو ما يُتوقع أن يقلل فاتورة الطاقة للأسر، إلى جانب خفض الحد الأقصى لتعرفة الحافلات الوطنية من ثلاثة جنيهات إسترلينية إلى جنيهين.
كما تعهدت الحكومة بالإسراع في إصلاح منظومة الرعاية الاجتماعية، مع التأكيد على أن الهدف الرئيسي هو جعل تكاليف المعيشة أقل بالنسبة للمواطنين.
وفي المقابل، واجهت هذه التعهدات انتقادات من معارضين وخبراء، ركزت على سؤال أساسي: من أين ستأتي الأموال اللازمة لتمويل هذه الإجراءات؟
لماذا يثار الجدل حول التمويل؟
في الاقتصاد، لا يتعلق نجاح أي سياسة فقط بحجم الفوائد التي تحققها، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على تمويلها دون الإضرار باستقرار المالية العامة.
ولهذا السبب، تعرضت الحكومة البريطانية لضغوط لتوضيح مصادر تمويل قراراتها، خاصة بعد إعلانها أنها لن تلجأ إلى زيادة الاقتراض، مع استمرار التزامها بالقواعد المالية القائمة.
ويرى منتقدون أن الاعتماد على إعادة توزيع الإنفاق بين الوزارات قد يفرض ضغوطًا على قطاعات أخرى، بينما تؤكد الحكومة أن لديها خطة لتمويل الإجراءات دون الإخلال باستقرار الموازنة.
لماذا تستطيع بريطانيا التفكير في هذه الخطوات؟
تستند الدول المتقدمة، ومنها بريطانيا، إلى أدوات مالية واقتصادية تمنحها هامشًا أوسع عند مواجهة الأزمات.
فاقتصادها يتمتع بقدرة كبيرة على جمع الإيرادات الضريبية، كما تمتلك مؤسسات مالية وأسواقًا متطورة تساعدها على إدارة الإنفاق العام بكفاءة أعلى مقارنة بالعديد من الاقتصادات النامية.
ورغم ذلك، فإن الحكومات البريطانية نفسها تواجه قيودًا، وهو ما يفسر الجدل الدائر حاليًا بشأن مصادر تمويل القرارات الجديدة.
هل يمكن للدول النامية تطبيق النموذج نفسه؟
هنا تختلف الصورة بصورة كبيرة.
فالكثير من الدول النامية تعاني تحديات أكثر تعقيدًا، من بينها ارتفاع مستويات الدين العام، وزيادة تكلفة خدمة الدين، واتساع عجز الموازنات، إلى جانب محدودية الموارد المالية.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح خفض الضرائب أو تقديم دعم إضافي دون توفير مصادر تمويل بديلة قرارًا قد يزيد الضغوط على الموازنة العامة، ما يدفع الحكومات إلى البحث عن حلول تحقق التوازن بين حماية المواطنين والحفاظ على الاستقرار المالي.
ولهذا، تختلف أدوات مواجهة غلاء المعيشة من دولة إلى أخرى وفقًا لقدراتها الاقتصادية وهيكل موازناتها.
ما الخيارات المتاحة أمام الاقتصادات النامية؟
لا يوجد نموذج واحد يصلح للجميع، لكن التجارب الدولية تشير إلى أن الحكومات غالبًا ما تلجأ إلى مزيج من السياسات، مثل توجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجًا، أو تقديم إعفاءات ضريبية محددة، أو زيادة برامج الحماية الاجتماعية، أو دعم وسائل النقل العام، مع السعي إلى عدم الإخلال بالتوازن المالي.
وتعتمد فاعلية هذه السياسات على قدرة كل دولة على توفير التمويل اللازم دون التأثير على استقرار الاقتصاد أو زيادة معدلات التضخم.
ماذا تعني هذه الخطوات للمواطن البريطاني؟
إذا نُفذت الإجراءات كما أعلنت الحكومة، فمن المتوقع أن تنخفض بعض النفقات الشهرية التي تتحملها الأسر، سواء من خلال تقليل فاتورة الكهرباء أو خفض تكلفة استخدام الحافلات.
غير أن استمرار هذه المكاسب سيظل مرتبطًا بقدرة الحكومة على تمويلها، ومدى تأثيرها على الإنفاق العام خلال السنوات المقبلة.
وما الذي يمكن أن تستفيده الدول الأخرى؟
تكشف التجربة البريطانية أن مواجهة غلاء المعيشة لا تعتمد فقط على تقديم وعود بخفض الأسعار، بل على وجود رؤية مالية واضحة تضمن استدامة هذه الإجراءات.
كما تؤكد أن أي سياسة اقتصادية تستهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين تحتاج إلى موازنة دقيقة بين البعد الاجتماعي والانضباط المالي، حتى لا تتحول الحلول قصيرة الأجل إلى أعباء أكبر في المستقبل.
الخلاصة
تعكس الخطوات التي أعلنتها الحكومة البريطانية توجهًا يركز على تخفيف الضغوط المعيشية عن المواطنين عبر خفض بعض التكاليف المباشرة، إلا أن نجاح هذه السياسة سيظل مرهونًا بقدرة الحكومة على توفير التمويل اللازم دون الإخلال باستقرار المالية العامة.
أما بالنسبة للدول النامية، فإن الفكرة الأساسية ليست استنساخ التجربة البريطانية، بل الاستفادة من مبادئها العامة مع مراعاة اختلاف الظروف الاقتصادية، وحجم الموارد، وهيكل الموازنات العامة .. فلكل اقتصاد أدواته وإمكاناته، وما يصلح لدولة متقدمة قد يحتاج إلى تعديلات جوهرية قبل تطبيقه في بيئة اقتصادية مختلفة.
اقرأ أيضا
شاهد .. استمتع .. وشارك
اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!




Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء




















