التأمين الصحي الشامل يقترب من الجميع .. هل تنجح مصر في كسب التحدي الأصعب ؟

7/12/2026

حازم الرفاعي – الساعة عربية

لم يعد نجاح منظومة التأمين الصحي الشامل في مصر يقاس بعدد المحافظات التي انضمت إليها أو بحجم الاستثمارات المخصصة لها، بل بقدرتها على الوصول إلى المواطن، وضمان حصوله على خدمة صحية جيدة دون أن تتحول تكلفة العلاج إلى عبء يهدد استقراره المعيشي. ومن هذا المنطلق، جاءت أحدث خطوات الدولة نحو تعزيز الحماية الصحية الاجتماعية، عبر برنامج استهدف تطوير القدرات المؤسسية وتعزيز التنسيق بين الجهات المسؤولة عن تنفيذ المنظومة، في إطار الاستعداد لمراحل جديدة من التوسع.

البرنامج، الذي نفذته منظمة العمل الدولية بالشراكة مع الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، واستمر أربعة أيام، لم يكن مجرد دورة تدريبية، بل منصة جمعت مسؤولي وخبراء المؤسسات الوطنية المعنية بتمويل الرعاية الصحية وإدارتها، بهدف تبادل الخبرات الدولية وبحث أفضل الممارسات التي يمكن أن تدعم استدامة المنظومة وتسهم في تسريع تنفيذها.

وجاء تنفيذ البرنامج ضمن مشروع «حياة كريمة: معالجة الفقر متعدد الأبعاد في مصر» الممول من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب شراكة «آفاق» الممولة من حكومة هولندا، بما يعكس استمرار التعاون بين مصر وشركائها الدوليين في دعم أحد أكبر مشروعات الإصلاح الاجتماعي والصحي التي تنفذها الدولة خلال السنوات الأخيرة.

التحدي لم يعد إطلاق المنظومة .. بل توسيعها

ورغم أن منظومة التأمين الصحي الشامل قطعت خطوات مهمة منذ بدء تطبيقها، فإن المرحلة الحالية تفرض تحديات أكثر تعقيدًا، في مقدمتها ضمان استدامة التمويل، وتحسين كفاءة إدارة الموارد، وتوسيع قاعدة المستفيدين، خاصة العاملين في الاقتصاد غير المنظم، الذين يمثلون شريحة واسعة من سوق العمل المصري.

ولهذا، ركز البرنامج على محاور تعد من الأعمدة الرئيسية لأي نظام صحي حديث، شملت تمويل الرعاية الصحية، والشراء الاستراتيجي للخدمات، والحوكمة، والتحليل الاكتواري، والتحول الرقمي، إلى جانب آليات توسيع التغطية الصحية للفئات التي يصعب دمجها في النظم التقليدية.

ولا تقتصر أهمية هذه المحاور على تطوير الأداء الإداري، بل ترتبط مباشرة بقدرة المنظومة على تقديم خدمة أكثر كفاءة واستدامة، مع الحفاظ على التوازن بين جودة الرعاية والموارد المالية المتاحة.

منظومة لا تقاس بعدد المشتركين فقط

مدير مكتب منظمة العمل الدولية بالقاهرة، إيريك أوشلان، لخص فلسفة المشروع عندما أكد أن التغطية الصحية الشاملة تتمحور حول الإنسان قبل أي شيء آخر، موضحًا أن أنظمة الحماية الصحية القوية لا توفر العلاج فحسب، وإنما تعزز قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات، وتحد من الفوارق الاجتماعية، وتدعم العدالة بين المواطنين.

وتتفق هذه الرؤية مع ما أكدته الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، إذ أوضح رئيسها التنفيذي حسام صادق أن نجاح المنظومة لا يتحقق بمجرد إتاحة التغطية، وإنما بقدرة المواطنين على الانضمام إليها بسهولة، ومعرفتهم بحقوقهم الصحية، وثقتهم في جودة الخدمات التي يحصلون عليها، باعتبار أن الثقة تمثل أحد أهم عوامل نجاح أي نظام صحي.

وأشار كذلك إلى أن دمج العاملين في القطاع غير الرسمي يمثل أحد المحاور الأساسية لتحقيق التغطية الصحية الشاملة، وهو هدف يتطلب تطوير آليات التسجيل والتمويل بما يتناسب مع طبيعة هذه الفئة.

شراكة دولية لدعم إصلاح طويل الأجل

المبادرة حملت أيضًا رسائل واضحة من الشركاء الدوليين.

فالسفير الهولندي لدى مصر، بيتر موليما، شدد على أن توسيع مظلة التأمين الصحي لتشمل العاملين في الاقتصاد غير المنظم واللاجئين والمهاجرين يمثل عنصرًا مهمًا لبناء مجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، مؤكدًا استمرار دعم بلاده لجهود الإصلاح.

وفي السياق ذاته، اعتبرت بعثة الاتحاد الأوروبي أن الاستثمار في إصلاح قطاعي الصحة والحماية الاجتماعية يمثل استثمارًا مباشرًا في رأس المال البشري، وهو ما ينسجم مع طبيعة الشراكة الاستراتيجية القائمة بين مصر والاتحاد الأوروبي، والتي تمنح ملف التنمية البشرية أولوية متقدمة.

لماذا يعد التنسيق المؤسسي عنصرًا حاسمًا؟

واختُتم البرنامج بجلسة جمعت ممثلين عن وزارة الصحة والسكان، ووزارة التضامن الاجتماعي، والهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، وهيئة الرعاية الصحية، والهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، ومنظمة العمل الدولية، في رسالة تعكس أن نجاح المنظومة لا يعتمد على جهة واحدة، بل على قدرة جميع المؤسسات على العمل وفق رؤية موحدة.

فالتأمين الصحي الشامل لا يقوم على توفير التمويل أو بناء المستشفيات فقط، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الحوكمة، والرقابة، والتحول الرقمي، وتبادل البيانات، وآليات متابعة الأداء، بما يضمن تقديم خدمة صحية عادلة ومستدامة لجميع المواطنين.

ركز البرنامج على تطوير القدرات المؤسسية، وتعزيز التعاون بين الجهات المعنية، والاستفادة من الخبرات الدولية لدعم تنفيذ منظومة التأمين الصحي الشامل، مع اهتمام خاص بتوسيع التغطية لتشمل العاملين في الاقتصاد غير المنظم.

مصر انتقلت تدريجيًا من مرحلة تأسيس المنظومة إلى مرحلة رفع كفاءتها وضمان استدامتها. فالتحدي الحقيقي لم يعد إطلاق المشروع، بل ضمان استمراره وتوسعه بكفاءة، مع بناء مؤسسات قادرة على إدارة نظام صحي حديث يحقق العدالة في الحصول على الخدمة، ويحافظ في الوقت نفسه على استدامة التمويل. وإذا نجحت هذه المعادلة، فإن التأمين الصحي الشامل لن يكون مجرد برنامج إصلاحي، بل أحد أهم التحولات الاجتماعية التي تشهدها مصر خلال العقود الأخيرة.

اقرأ أيضا

شاهد .. استمتع .. وشارك

اكتشف عالم الريلز القصيرة! مقاطع فيديو سريعة، ممتعة، ومليئة بالإبداع – شاهد، تفاعل، وكن جزءًا من المتعة الآن!

Elsa3h © 2025

حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.

بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء

تابِعنا