رفقًا بمذيع الجنازات .. فالمصريون قالوا قديمًا : امشِ في جنازة ولا تمشِ في جوازة

6/25/2026

القاهرة – الساعة عربية

لم يكن يبحث عن شهرة، ولم يطلب عدسات الكاميرات، ولم يسعَ إلى أن يصبح حديث مواقع التواصل الاجتماعي .. كل ما فعله أنه اعتاد، مثل كثيرين غيره، حضور الجنازات وتقديم واجب العزاء .. لكن في زمن تتحول فيه التفاصيل الصغيرة إلى قضايا رأي عام، وجد الرجل المعروف إعلاميًا باسم "مذيع الجنازات" نفسه فجأة في قلب عاصفة من الانتقادات والسخرية.

خلال سنوات طويلة، كان حضوره مألوفًا في جنازات الفنانين والشخصيات العامة .. عرفه المصورون الصحفيون ومراسلو الفن بحكم تواجدهم الدائم في تلك المناسبات، لكنه لم يكن شخصية مثيرة للجدل أو محط اهتمام الجمهور .. كان مجرد وجه يتكرر في المشهد، مثل عشرات الوجوه الأخرى التي تحرص على المشاركة في مراسم الوداع الأخيرة.

لكن المشهد تبدل بالكامل بعد التصريحات التي أدلى بها نقيب المهن التمثيلية الفنان أشرف زكي بشأنه .. فجأة انتقل الرجل من هامش الصورة إلى مركزها، ومن شخص يعرفه العاملون في الوسط الإعلامي إلى اسم يتداوله الملايين على منصات التواصل الاجتماعي.

المفارقة أن الرجل لم يغيّر شيئًا في سلوكه، ولم يبدأ نشاطًا جديدًا، ولم يقدم نفسه للجمهور بصورة مختلفة .. كل ما حدث أن الأضواء سقطت عليه فجأة، فتحول إلى مادة يومية للنقاش والتعليقات والمقاطع المصورة.

ومنذ ذلك الوقت، بات كثيرون يتعاملون معه باعتباره ظاهرة تستحق النقد أو السخرية، بينما يتجاهل البعض سؤالًا أكثر أهمية : ما الخطأ الذي ارتكبه الرجل أصلًا؟

حتى الآن، لا توجد واقعة معروفة تشير إلى أنه تسبب في فوضى داخل جنازة، أو أساء إلى أهل متوفى، أو سعى إلى تعطيل مراسم العزاء .. كما لا توجد معلومات تؤكد أنه يتقاضى مقابلًا ماديًا نظير حضوره أو أن وراء ظهوره المتكرر أي مصالح معلنة .. كل ما يُعرف عنه أنه يحرص على التواجد في الجنازات والعزاءات، وهو أمر قد يبدو غريبًا للبعض، لكنه لا يمثل في حد ذاته مخالفة أو إساءة.

المجتمع المصري بطبيعته مجتمع شديد الارتباط بالروابط الاجتماعية .. ولعقود طويلة، اعتبر الناس أن المشاركة في الجنازات وتقديم واجب العزاء جزء من الشهامة والواجب الإنساني .. وربما لهذا السبب انتشرت أمثال شعبية كثيرة تؤكد أهمية الوقوف إلى جوار الناس في أوقات الحزن قبل الفرح.

ومن هنا تبدو المفارقة لافتة؛ فالرجل الذي يحضر مناسبات الحزن أصبح هدفًا للهجوم، ليس بسبب سلوك مؤذٍ أو تصرف مسيء، وإنما بسبب شهرته المفاجئة.

الأكثر غرابة أن بعض المشاهد التي تُستخدم اليوم للسخرية منه لم يكن هو سببها المباشر .. فبعد أن تحول إلى شخصية معروفة، أصبح آخرون يلتفون حوله لالتقاط الصور أو تصوير مقاطع الفيديو، ثم تُنشر هذه المقاطع على نطاق واسع لتزيد من حجم الجدل الدائر حوله.

هذه القصة تتجاوز شخصًا بعينه .. إنها تكشف كيف يمكن لمنصات التواصل الاجتماعي أن تصنع شهرة غير مقصودة، ثم تعاقب صاحبها على تلك الشهرة في الوقت نفسه .. ففي الماضي كان الإنسان يحتاج إلى سنوات حتى يصبح معروفًا، أما اليوم فقد تكفيه جملة واحدة أو تصريح واحد ليجد نفسه تحت المجهر، محاطًا بالأحكام المسبقة والانتقادات.

وربما لهذا السبب تحديدًا تستحق قصة "مذيع الجنازات" قدرًا أكبر من الإنصاف .. فمن حق الناس أن تختلف معه أو تستغرب ما يفعله، لكن من الصعب تبرير تحويله إلى هدف دائم للسخرية والتجريح دون سبب واضح.

في النهاية .. قد لا يتفق الجميع مع حضوره المتكرر للجنازات، وقد يرى البعض أن الأمر غير معتاد، لكن المؤكد أن الرجل لم يصنع الضجة التي تحيط به اليوم .. لقد كان يؤدي ما يراه واجبًا اجتماعيًا قبل أن تضعه الظروف في دائرة الضوء .. وبين اختلاف الآراء وضجيج التعليقات، تبقى الحقيقة الأبسط هي أن إنسانًا وجد نفسه فجأة مشهورًا دون أن يسعى إلى ذلك، ثم أصبح مطالبًا بالدفاع عن نفسه بسبب شهرة لم يخترها .. وربما لهذا تبدو العبارة الأكثر عدلًا في هذه القصة كلها : رفقًا بمذيع الجنازات .

اقرأ أيضا

Elsa3h © 2025

حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.

بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء

تابِعنا