من التعليقات إلى النزاعات .. لماذا تحذر الأمم المتحدة من خطاب الكراهية؟


داليا الرشيد – الساعة عربية
في عصر باتت فيه كلمة واحدة قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال ثوانٍ، لم يعد خطاب الكراهية مجرد رأي متطرف أو تعليق عابر على منصة رقمية، بل تحول إلى أحد التحديات التي تضعها المؤسسات الدولية في صدارة اهتماماتها، لما يحمله من تأثيرات تتجاوز العالم الافتراضي إلى الواقع الاجتماعي والسياسي والإنساني.
وفي اليوم الدولي الخامس لمكافحة خطاب الكراهية، الذي يوافق 18 يونيو 2026، جددت الأمم المتحدة دعوتها إلى تعزيز الجهود العالمية الرامية إلى مواجهة هذه الظاهرة المتنامية، مؤكدة أن الكراهية لم تعد تقتصر على ساحات الصراع أو الخطابات المتشددة، بل أصبحت تتسلل إلى الحياة اليومية وإلى الفضاء الرقمي بطرق قد يصعب أحيانًا اكتشافها أو تمييزها.
وفي رسالة حملت طابعًا عمليًا ومباشرًا، دعت الأمم المتحدة الأفراد إلى التمهل قبل نشر أي محتوى عبر الإنترنت، والتحقق من دقة المعلومات المتداولة، وعدم المساهمة - ولو دون قصد - في نشر الأخبار المضللة أو الرسائل التي تحرض على الكراهية أو التمييز.
الكراهية في العصر الرقمي
خلال السنوات الأخيرة، تغيرت طبيعة انتشار خطاب الكراهية بصورة كبيرة .. فبدلًا من اقتصاره على تجمعات محدودة أو منشورات تقليدية، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي بيئة تسمح بانتشاره بسرعة غير مسبوقة.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن هذه الظاهرة باتت أكثر تعقيدًا بسبب صعوبة التمييز أحيانًا بين حرية التعبير والمحتوى الذي يحمل رسائل تحريضية أو تمييزية، خاصة عندما يُقدم في صور ساخرة أو ضمن معلومات مضللة أو منشورات تبدو في ظاهرها عادية.
وتزداد خطورة الأمر مع التطور التكنولوجي الهائل الذي يشهده العالم، حيث يمكن لمحتوى واحد أن يعاد نشره آلاف المرات خلال ساعات قليلة، ما يمنحه قدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام وإعادة تشكيل التصورات تجاه أفراد أو جماعات أو مجتمعات بأكملها.
شراكات لمواجهة ظاهرة عابرة للحدود
وترى الأمم المتحدة أن مواجهة خطاب الكراهية لا يمكن أن تكون مسؤولية الحكومات وحدها، بل تتطلب شراكة واسعة تشمل المؤسسات التعليمية والإعلامية وشركات التكنولوجيا ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية والثقافية.
وفي هذا السياق، أشارت المنظمة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في يونيو 2025، والذي دعا الدول الأعضاء إلى تبني مبادرات عملية تعزز الحوار بين الثقافات والأديان، وترسخ قيم التسامح والتفاهم والتعاون باعتبارها أدوات أساسية لمواجهة خطابات الانقسام.
وتؤكد استراتيجية الأمم المتحدة وخطة عملها بشأن خطاب الكراهية أن الظاهرة تستهدف المجتمع بأكمله، وبالتالي فإن التصدي لها يحتاج إلى نهج شامل لا يقتصر على العقوبات أو الرقابة، بل يعتمد أيضًا على بناء ثقافة مجتمعية تقوم على احترام التنوع وقبول الاختلاف.
عندما تصبح الكلمات وقودًا للصراعات
وتحذر الأمم المتحدة من أن خطاب الكراهية لا يتوقف عند حدود الكلمات. ففي العديد من مناطق العالم، ارتبط تصاعد الخطاب التحريضي بتفاقم النزاعات والعنف المجتمعي والاستقطاب السياسي.
ومع تزايد عدد الأزمات والصراعات الدولية خلال السنوات الأخيرة، أصبحت بعض الأطراف تستخدم الرسائل القائمة على الكراهية والتخوين والتحريض كوسيلة لتأجيج التوترات وتعميق الانقسامات.
ومن هنا تبرز أهمية التدخل المبكر، ليس فقط لإزالة المحتوى الضار، وإنما أيضًا لمعالجة الأسباب التي تؤدي إلى ظهوره وانتشاره، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية.
ماذا يمكن أن يفعل الأفراد؟
الرسالة الأممية هذا العام لم تقتصر على المؤسسات والدول، بل وجهت جزءًا كبيرًا من المسؤولية إلى المستخدمين أنفسهم.
فبحسب الأمم المتحدة، يستطيع أي شخص أن يسهم في الحد من انتشار الكراهية عبر خطوات بسيطة لكنها مؤثرة، تبدأ بالتحقق من المعلومات قبل مشاركتها، ورفض إعادة نشر المحتوى المحرض، والتعامل مع الخطاب العدائي بهدوء واتزان بدلًا من الانجرار إلى مزيد من التصعيد.
كما شددت المنظمة على أن الصمت أحيانًا قد يمنح الخطابات المؤذية مساحة أكبر للانتشار، في حين أن المواقف المسؤولة والرسائل المتزنة يمكن أن تسهم في ترسيخ ثقافة الحوار والاحترام المتبادل.
معركة الوعي قبل أن تكون معركة القوانين
تكشف الرسائل التي تضمنها اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية أن العالم بات ينظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها تحديًا يتجاوز الحدود والجغرافيا واللغات .. فالكراهية التي تبدأ بمنشور أو تعليق قد تتحول إلى سلوك أو تمييز أو حتى عنف في الواقع.
ولهذا تركز الأمم المتحدة على بناء شراكات جديدة تجمع بين التعليم والإعلام والتكنولوجيا ومحو الأمية الرقمية، باعتبارها أدوات قادرة على معالجة جذور المشكلة وليس فقط مظاهرها.
وفي وقت يشهد فيه العالم تدفقًا غير مسبوق للمعلومات، تبدو المعركة الحقيقية مرتبطة بالوعي والمسؤولية الفردية والجماعية .. فكل مشاركة أو تعليق أو إعادة نشر قد تكون جزءًا من حل المشكلة أو جزءًا من تفاقمها. وبين هذين الخيارين، تراهن الأمم المتحدة على أن الحوار والتفاهم واحترام التنوع تظل الركائز الأكثر قدرة على بناء مجتمعات أكثر استقرارًا وعدلًا وسلامًا.
اقرأ أيضا
Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء


