سويسرا تجدد دعمها لقوة المراقبين متعددة الجنسيات في سيناء


ماجد السديري – أدهم الشريف – الساعة عربية
في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تحولات متسارعة وتحديات أمنية متزايدة .. أعادت زيارة رسمية قام بها وزير الدولة السويسري ماركوس مادر والسفير السويسري لدى مصر أندرياس باوم إلى مقر قوة المراقبين متعددة الجنسيات (MFO) في شرم الشيخ تسليط الضوء على واحدة من أكثر المهام الدولية استمرارية وهدوءًا في المنطقة .. والتي تعمل منذ أكثر من أربعة عقود بعيدًا عن الأضواء، لكنها تؤدي دورًا محوريًا في دعم الاستقرار والحفاظ على الثقة بين الأطراف المعنية بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.
وأعلنت سفارة سويسرا بالقاهرة أن المسؤولين السويسريين زارا خلال الأسبوع الماضي مقر القوة الدولية في شرم الشيخ .. مشيرة إلى أن المهمة تساهم منذ عام 1981 في تعزيز الاستقرار وبناء الثقة ودعم الأمن الإقليمي من خلال مهامها الرقابية .. فيما تواصل سويسرا دعم هذه القوة منذ عام 1995 في إطار التزامها التقليدي بقضايا السلام والحوار والتعاون الدولي.
ورغم أن الخبر مرّ بهدوء نسبيًا مقارنة بالأحداث السياسية والأمنية الكبرى في المنطقة .. فإنه يفتح الباب أمام تساؤل مهم: ما هي قوة المراقبين متعددة الجنسيات؟ ولماذا لا تزال تحظى باهتمام دولي واسع بعد أكثر من أربعين عامًا على تأسيسها؟
ولادة قوة دولية من رحم اتفاقية السلام
تعود جذور قوة المراقبين متعددة الجنسيات إلى واحدة من أهم المحطات السياسية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث .. وهي معاهدة السلام التي وقعتها مصر وإسرائيل عام 1979 برعاية أمريكية، لتنهي عقودًا من الصراع العسكري بين البلدين.
ومع دخول المعاهدة حيز التنفيذ، برزت الحاجة إلى وجود آلية محايدة ومستقلة لمتابعة تنفيذ الترتيبات الأمنية المتفق عليها داخل شبه جزيرة سيناء .. خصوصًا ما يتعلق بمناطق انتشار القوات العسكرية ومستويات التسليح المسموح بها وفق بنود الاتفاق.
وفي عام 1981 تم تأسيس قوة المراقبين متعددة الجنسيات لتتولى هذه المهمة .. لتصبح منذ ذلك الحين عنصرًا أساسيًا في منظومة الحفاظ على السلام بين الجانبين.
كيف تعمل القوة داخل سيناء؟
تضم القوة الدولية أفرادًا وخبراء من عدد من الدول المشاركة .. وتتمثل مهمتها الرئيسية في مراقبة الالتزام بالترتيبات الأمنية الواردة في معاهدة السلام .. من خلال تنفيذ دوريات ميدانية ومهام مراقبة جوية وبرية .. إضافة إلى تشغيل نقاط ومراكز مراقبة موزعة في مناطق مختلفة من شبه جزيرة سيناء.
وتعتمد القوة على آليات رقابية متطورة وتقارير دورية تتيح للأطراف المعنية الاطلاع على مدى الالتزام بالتفاهمات الأمنية .. وهو ما ساهم على مدار عقود في الحد من احتمالات التوتر أو سوء التقدير الذي قد يؤدي إلى أزمات غير محسوبة.
ويؤكد متخصصون في العلاقات الدولية أن أهمية هذه القوة لا تكمن فقط في مهامها الفنية .. بل في كونها توفر إطارًا عمليًا لبناء الثقة واستمرار التواصل بين الأطراف .. وهو ما جعلها واحدة من أنجح بعثات المراقبة الدولية المستمرة حتى اليوم.
شرم الشيخ .. مركز مهمة دولية مستمرة
تمثل مدينة شرم الشيخ إحدى الركائز الرئيسية لعمل القوة الدولية داخل سيناء .. حيث تضم إحدى أهم قواعدها التشغيلية .. إلى جانب مواقع أخرى منتشرة في مناطق مختلفة من شبه الجزيرة.
وخلال السنوات الماضية أصبحت القوة جزءًا من المشهد الأمني والدبلوماسي المرتبط بتنفيذ معاهدة السلام .. في وقت شهدت فيه المنطقة العديد من المتغيرات السياسية والأمنية .. بدءًا من التحولات الإقليمية الكبرى وصولًا إلى التحديات الأمنية التي مرت بها سيناء خلال العقد الأخير.
ورغم تلك المتغيرات، استمرت القوة في أداء مهامها دون انقطاع، ما عزز مكانتها باعتبارها نموذجًا ناجحًا للتعاون الدولي طويل الأمد.
لماذا تدعم سويسرا هذه المهمة؟
تعرف سويسرا عالميًا بدورها في دعم جهود الوساطة والحوار وحل النزاعات .. ولذلك لم يكن انضمامها إلى مهمة المراقبين متعددة الجنسيات عام 1995 خطوة مفاجئة.
وتنظر برن إلى مشاركتها في القوة باعتبارها جزءًا من سياستها الخارجية القائمة على تعزيز الاستقرار وتشجيع الحلول السلمية للنزاعات ودعم المؤسسات الدولية العاملة في مناطق التوتر.
ومن هذا المنطلق جاءت زيارة وزير الدولة ماركوس مادر والسفير أندرياس باوم إلى شرم الشيخ .. في رسالة تعكس استمرار الاهتمام السويسري بالمهمة الدولية وبالدور الذي تؤديه في الحفاظ على أحد أهم اتفاقات السلام في المنطقة.
لماذا لا تزال المهمة مهمة حتى اليوم؟
بعد مرور 44 عامًا على تأسيسها .. لا تزال قوة المراقبين متعددة الجنسيات تؤدي دورًا يتجاوز مجرد الرقابة الميدانية .. إذ أصبحت جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي التي ساهمت في الحفاظ على الاستقرار داخل سيناء وترسيخ الثقة بين مصر وإسرائيل.
وتكتسب هذه المهمة أهمية إضافية في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات أمنية وجيوسياسية متلاحقة، حيث يرى مراقبون أن استمرار وجود آليات دولية محايدة لمتابعة الاتفاقيات طويلة الأمد يمثل عنصرًا مهمًا في منع التصعيد والحفاظ على قنوات التواصل والتنسيق.
وفي هذا السياق، تبدو الزيارة السويسرية الأخيرة أكثر من مجرد جولة بروتوكولية .. إذ تعكس اهتمامًا دوليًا مستمرًا بإحدى أكثر بعثات السلام نجاحًا واستمرارية في العالم .. كما تؤكد أن الاستقرار الذي تحقق في سيناء عبر عقود لم يكن نتاج الاتفاقات السياسية وحدها .. بل ساهمت في ترسيخه مؤسسات وآليات دولية ظلت تعمل بصمت بعيدًا عن العناوين الصاخبة .. لكنها لعبت دورًا مهمًا في الحفاظ على السلام وتعزيز الأمن في منطقة لا تزال تحتفظ بأهمية استراتيجية استثنائية على خريطة الشرق الأوسط.
اقرأ أيضا
Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء


