عُمان وإيران تبحثان مستقبل هرمز .. والرسوم البحرية تثير الجدل


ماجد السديري – الساعة عربية
بينما انشغل العالم خلال الأشهر الماضية بالتوترات العسكرية في الخليج وانعكاساتها على أسواق الطاقة العالمية، بدأت تتشكل بهدوء معركة من نوع آخر حول أحد أهم الممرات البحرية في العالم .. مضيق هرمز.
فبعد أسابيع من توقيع مذكرة التفاهم التي أنهت مرحلة من التصعيد الإقليمي، أعلنت سلطنة عُمان وإيران الاتفاق على مواصلة المحادثات المتعلقة بإدارة حركة الملاحة والخدمات البحرية في المضيق، بما يشمل دراسة التكاليف والرسوم المرتبطة بالخدمات الملاحية، وهي خطوة أثارت اهتماماً دولياً واسعاً في ظل الرفض الأمريكي لأي إجراءات قد تؤدي إلى فرض رسوم جديدة على حركة العبور في هذا الممر الحيوي.
ورغم أن النقاش يبدو فنياً في ظاهره، إلا أن خلفيته تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية تتجاوز مسألة تنظيم الملاحة البحرية، لتلامس مستقبل أحد أهم الشرايين التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.
لماذا يحظى مضيق هرمز بهذه الأهمية؟
يمثل مضيق هرمز نقطة الوصل الرئيسية بين الخليج العربي وبحر العرب، ويُعد أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
فمن خلاله تمر نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية والأمريكية، ما يجعله عنصراً أساسياً في استقرار أسواق الطاقة العالمية.
ولهذا السبب، فإن أي تطور يتعلق بإدارة المضيق أو أمنه أو حركة الملاحة داخله ينعكس بشكل مباشر على أسعار النفط وحركة التجارة الدولية وتكاليف الشحن البحري.
وخلال العقود الماضية، ظل المضيق محوراً دائماً للتجاذبات السياسية والأمنية بين القوى الإقليمية والدولية، خصوصاً في فترات التوتر بين إيران والولايات المتحدة.
من الأمن العسكري إلى الإدارة الاقتصادية
الجديد في المحادثات الحالية أنها لا تركز فقط على تأمين الملاحة أو منع التوترات العسكرية، بل تمتد إلى ملف إدارة الخدمات البحرية والتكاليف المرتبطة بها.
وبحسب البيان المشترك الصادر عن الجانبين، اتفق البلدان على تشكيل فريق عمل مشترك لمواصلة دراسة آليات إدارة الحركة الملاحية مستقبلاً، مع إشراك الدول الساحلية الأخرى والأطراف المعنية في المشاورات.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس انتقال النقاش من مرحلة إدارة الأزمات الأمنية إلى مرحلة إعادة تنظيم الحركة التجارية والبحرية بعد فترة من الاضطرابات التي أثرت على الملاحة في المنطقة.
كما تعكس رغبة لدى طهران ومسقط في بناء إطار إقليمي أكثر استقراراً لإدارة المضيق، خاصة بعد التوترات التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة.
لماذا ترفض واشنطن فكرة الرسوم؟
أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل يتعلق بإمكانية فرض رسوم أو تكاليف إضافية على السفن العابرة مقابل الخدمات الملاحية أو التنظيمية.
الولايات المتحدة تعتبر أن مضيق هرمز ممر دولي حيوي يجب أن تبقى حركة العبور فيه حرة وفقاً لقواعد القانون البحري الدولي، وترى أن فرض رسوم جديدة قد يفتح الباب أمام نزاعات قانونية وتجارية معقدة.
كما تخشى واشنطن من أن يؤدي أي نظام رسوم جديد إلى زيادة تكاليف النقل البحري، وهو ما قد ينعكس في النهاية على أسعار الطاقة والسلع عالمياً.
في المقابل، يرى مؤيدو فكرة تنظيم الخدمات البحرية أن الدول المطلة على المضيق تتحمل أعباء كبيرة تتعلق بأمن الملاحة وإدارة الحركة البحرية وتطوير البنية التحتية، وهو ما يجعل مناقشة آليات التمويل أمراً طبيعياً من وجهة نظرهم.
الدور العُماني .. وسيط وضامن
تحافظ سلطنة عُمان منذ سنوات على موقع فريد في معادلات الخليج السياسية، إذ تجمعها علاقات مستقرة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
وخلال الأزمات المتلاحقة التي شهدتها المنطقة، لعبت مسقط دور الوسيط في العديد من الملفات الحساسة، ما منحها مكانة خاصة في جهود التهدئة والحوار.
ويبدو أن هذا الدور يتواصل في ملف مضيق هرمز، حيث تسعى السلطنة إلى التوفيق بين الاعتبارات السيادية للدول المطلة على المضيق ومتطلبات المجتمع الدولي المتعلقة بحرية الملاحة واستقرار أسواق الطاقة.
ماذا يعني تشكيل فريق العمل المشترك؟
الخطوة التي أعلنتها عُمان وإيران قد تكون بداية لمسار تفاوضي طويل وليس قراراً نهائياً.
فإدارة مضيق بحجم وأهمية هرمز لا ترتبط فقط بالدولتين المطلتين عليه، بل تشمل أيضاً مصالح دول الخليج الأخرى وشركات الشحن العالمية والقوى الاقتصادية الكبرى المستفيدة من استقرار حركة التجارة عبره.
لذلك يتوقع خبراء النقل البحري أن تشهد المرحلة المقبلة مشاورات موسعة حول طبيعة الخدمات الملاحية وآليات تمويلها والجهة المسؤولة عن إدارتها، إضافة إلى الضمانات القانونية المرتبطة بحرية المرور.
ما الذي تكشفه هذه التطورات؟
تكشف المحادثات العُمانية الإيرانية أن مرحلة ما بعد التوتر العسكري في الخليج قد لا تكون مجرد عودة للوضع السابق، بل بداية لإعادة ترتيب بعض القواعد المرتبطة بإدارة أهم ممرات الطاقة في العالم.
فإذا كانت السنوات الماضية قد شهدت صراعاً حول أمن المضيق وإمكانية إغلاقه، فإن المرحلة الحالية تبدو أقرب إلى نقاش حول من يدير الخدمات المرتبطة به وكيف يتم تمويلها وتنظيمها .. وبين الرؤية الإقليمية التي تدعو إلى دور أكبر للدول الساحلية، والموقف الأمريكي الداعي إلى الحفاظ على حرية الملاحة دون أعباء إضافية، قد يتحول ملف هرمز خلال الفترة المقبلة إلى أحد أكثر الملفات الاقتصادية والاستراتيجية تأثيراً في منطقة الخليج والعالم.
اقرأ أيضا
Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء


