نكيتا دراني .. امرأة أفغانية تحارب العزلة بالحبر والقرآن

6/24/2026

أميرة العوضي – الساعة عربية

في مدينة هرات الأفغانية، التي تُعرف بتاريخها الطويل مع الفنون الإسلامية وفن الخط العربي، تواصل شابة أفغانية رسم مسار مختلف لحياتها وحياة عشرات النساء من حولها، مستندة إلى مزيج من الإيمان والمعرفة والإبداع.

فداخل أروقة "قلعة اختيار الدين" التاريخية، أحد أبرز المعالم الثقافية في غرب أفغانستان، تجلس نكيتا دراني لساعات طويلة أمام صفحات كبيرة من الورق، تمسك بقلم الخط العربي وتواصل مشروعاً استثنائياً يتمثل في كتابة القرآن الكريم كاملاً بخط يدها، مع ترجمته إلى اللغة البشتوية، في عمل يجمع بين الفن والمعرفة وخدمة التراث الإسلامي.

لكن قصة نكيتا لا تتوقف عند حدود الخط العربي أو نسخ المصحف الشريف، بل تمتد إلى تجربة أوسع تتعلق بتمكين النساء عبر الفنون والحرف اليدوية في مجتمع يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية متزايدة.

مشروع عمر بدأ في سن مبكرة

تعود علاقة نكيتا بفن الخط إلى سنوات المراهقة، عندما بدأت تعلم أصول الكتابة العربية على يد الخطاط المعروف في هرات مير ولي أحمد.

ومنذ ذلك الوقت، تحوّل الخط بالنسبة لها من هواية إلى مشروع حياة. وتقول إن حلمها الأكبر يتمثل في إنجاز نسخة كاملة من القرآن الكريم بخط يدها، مع توفير ترجمة بشتوية تساعد شريحة واسعة من القراء على فهم النص القرآني بلغتهم الأم.

ويحمل هذا المشروع أهمية خاصة في بلد يمتلك إرثاً عريقاً في فنون المخطوطات الإسلامية، إذ كانت هرات عبر قرون مركزاً مهماً للعلماء والخطاطين والنسّاخ خلال العصور الإسلامية المختلفة، وخاصة في الحقبة التيمورية التي شهدت ازدهاراً ثقافياً وفنياً كبيراً.

هرات .. مدينة الخطاطين

لا يُعد اختيار نكيتا لهذا الفن أمراً عشوائياً، فمدينة هرات تُعتبر واحدة من أهم مراكز الخط العربي والفنون الإسلامية في آسيا الوسطى.

وعلى مدى أكثر من ألف عام، حافظت المدينة على مكانتها الثقافية من خلال المدارس الفنية والمخطوطات التاريخية والورش المتخصصة التي خرّجت أجيالاً من الخطاطين.

ورغم التحولات السياسية والاقتصادية التي مرت بها أفغانستان خلال العقود الأخيرة، لا يزال هذا الإرث حاضراً، وتواصل مؤسسات ثقافية محلية، مثل جمعية خطاطي هرات، جهودها للحفاظ على هذا الفن ونقله إلى الأجيال الجديدة.

الفن كفرصة للعمل والتعليم

في الوقت الذي تواجه فيه النساء والفتيات في أفغانستان تحديات متعلقة بالتعليم والعمل، وجدت نكيتا في الفن وسيلة عملية لخلق فرص جديدة.

فإلى جانب مشروعها الشخصي، تدير الشابة الأفغانية ورشة تدريبية تُعلّم من خلالها أكثر من 20 امرأة مهارات الخط العربي والفنون اليدوية المختلفة.

وتسعى من خلال هذه المبادرة إلى توفير مصدر دخل لبعض المتدربات، إلى جانب الحفاظ على الفنون التقليدية التي تشكل جزءاً من الهوية الثقافية للبلاد.

وتؤكد أن عدداً من المتدربات وصلن إلى مستويات متقدمة، بل تمكن بعضهن من المشاركة في معارض فنية خارج أفغانستان، بما في ذلك فعاليات أقيمت في المملكة العربية السعودية.

من ورشة صغيرة إلى أسواق عالمية

ولا يقتصر نشاط الورشة على الخط العربي فقط، إذ تشارك النساء أيضاً في إنتاج أعمال فخارية وحرف يدوية متنوعة تُعرض داخل معرض "خټین زر"، الذي يحمل اسمه دلالة رمزية تعكس فكرة تحويل المواد البسيطة إلى منتجات ذات قيمة.

ووفقاً للقائمين على المشروع، وصلت بعض هذه المنتجات إلى أسواق في الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى، ما يمنح المشاركات فرصة لعرض إبداعاتهن أمام جمهور عالمي.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية لأنها تقدم صورة مختلفة عن المرأة الأفغانية، بعيداً عن الصور النمطية المرتبطة بالصراعات والأزمات، من خلال إبراز مساهمتها في الإنتاج الثقافي والاقتصادي.

رسالة تتجاوز حدود الفن

تكشف تجربة نكيتا دراني أن الفنون التقليدية لا تزال قادرة على لعب أدوار تتجاوز الجانب الجمالي، لتصبح أداة للتعليم والحفاظ على التراث وخلق فرص اقتصادية جديدة.

ففي وقت تواجه فيه أفغانستان تحديات معقدة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية، تقدم هذه المبادرات نموذجاً لكيفية توظيف الثقافة في دعم المجتمعات المحلية وتمكين النساء وتعزيز حضورهن في الحياة العامة.

كما تعكس القصة أهمية الاستثمار في الحرف والفنون التراثية باعتبارها جزءاً من الاقتصاد الإبداعي القادر على توفير فرص عمل والحفاظ على الهوية الثقافية في الوقت نفسه .. وبين صفحات القرآن التي تكتبها بيدها، والنساء اللواتي تدربهن يومياً، تبدو نكيتا دراني وكأنها تكتب قصة أخرى موازية؛ قصة تؤكد أن المعرفة والفن يمكن أن يظلا نافذة للأمل حتى في أصعب الظروف.

اقرأ أيضا

Elsa3h © 2025

حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.

بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء

تابِعنا