وجوه من سفارة فنلندا بالقاهرة .. قصص دبلوماسية تكشف ما وراء الكواليس


داليا الرشيد – الساعة عربية
من قاعات الدراسة إلى أروقة السفارات .. كيف تصنع القاهرة جيلاً جديدًا من الدبلوماسيين الفنلنديين؟
في وقت تتجه فيه العلاقات الدولية نحو مزيد من التعقيد والتشابك، لا تقتصر الدبلوماسية الحديثة على الاجتماعات الرسمية والبيانات السياسية .. بل تمتد إلى بناء الخبرات الإنسانية والثقافية التي تشكل رؤية الأجيال الجديدة من الدبلوماسيين .. ومن قلب القاهرة، كشفت سفارة فنلندا عن جانب مختلف من عملها اليومي عبر تسليط الضوء على تجربتين تعكسان طبيعة العمل الدبلوماسي وأولويات التعاون بين البلدين.
إحدى هاتين التجربتين تخص إميليا إنجمان، المتدربة في السفارة الفنلندية بالقاهرة، التي اختارت مصر لتكون محطتها العملية الأولى في عالم العلاقات الدولية .. بالنسبة لإميليا، لم تكن القاهرة مجرد مدينة للتدريب الأكاديمي .. بل ساحة حقيقية لفهم كيفية تفاعل السياسة والدبلوماسية والتعاون الدولي على أرض الواقع.
وترى المتدربة الفنلندية أن الموقع الجغرافي والدور الإقليمي الذي تلعبه مصر، باعتبارها نقطة اتصال بين الشرق الأوسط وأفريقيا، منحاها فرصة استثنائية لمتابعة الملفات الدولية من منظور عملي بعيدًا عن قاعات المحاضرات والكتب الجامعية.
وخلال فترة عملها داخل السفارة، اكتشفت إميليا أن الصورة التقليدية للدبلوماسية تختلف كثيرًا عن الواقع. فنجاح أي مهمة دبلوماسية يعتمد على التنسيق بين فرق متعددة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة، والتواصل الفعال بين ثقافات وخلفيات مختلفة.
ومن أبرز المحطات التي تتحدث عنها خلال تجربتها، مشاركتها في دعم الاستعدادات الخاصة بالزيارة الرسمية التي قامت بها رئيسة فنلندا إلى مصر، وهي تجربة أتاحت لها الاطلاع على الجهود السياسية والإعلامية والتنظيمية التي تسبق مثل هذه الزيارات رفيعة المستوى، والتي غالبًا ما تبقى بعيدة عن أنظار الرأي العام.
ولا تخفي إميليا طموحها المستقبلي في العمل بمجالات العمل الإنساني وحقوق الإنسان، خاصة في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو موجات النزوح. ويعود هذا الاهتمام إلى خلفيتها الأكاديمية في علم الإنسان، وهو المجال الذي يركز على دراسة المجتمعات والعوامل الثقافية والاقتصادية والسياسية المؤثرة في حياة الأفراد.
وتؤكد أن فهم هذه العوامل يمثل أساسًا لأي جهود تستهدف تحسين الظروف المعيشية أو دعم المجتمعات التي تواجه تحديات معقدة، سواء من خلال العمل الدبلوماسي أو المبادرات الإنسانية أو برامج التعاون الدولي.
وفي السياق ذاته، قدمت السفارة لمحة عن مسيرة مايجا مانسيكانيمي، نائبة رئيس البعثة الدبلوماسية الفنلندية في القاهرة، والتي تحمل خلفية مهنية متنوعة تجمع بين القانون والهندسة المدنية والعمل الدبلوماسي.
قبل انتقالها إلى مصر، عملت مايجا في ملفات قانونية وقطاع النقل والشؤون الخارجية داخل فنلندا .. كما أمضت أربع سنوات ضمن التمثيل الدائم لفنلندا لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ما أكسبها خبرة واسعة في القضايا الأوروبية والدولية.
وتتميز نائبة رئيس البعثة بقدرتها على التحدث بسبع لغات مختلفة، بينما تسعى حاليًا إلى إضافة اللغة العربية إلى قائمة اللغات التي تتقنها، في خطوة تعكس اهتمامها بالتقارب الثقافي وفهم المجتمع الذي تعمل فيه.
ورغم قدومها من فنلندا، البلد المعروف بآلاف البحيرات .. فإن مايجا تتحدث بشغف خاص عن نهر النيل .. وتقول إن النهر ارتبط في ذاكرتها منذ الصغر من خلال القصص التي وصفته بـ"ملكة الأنهار"، وإن رؤيته يوميًا من نافذة مكتبها في القاهرة لم تفقده سحره أو مكانته الخاصة.
لكن النيل بالنسبة لها لا يمثل مجرد رمز ثقافي أو تاريخي، بل يذكرها أيضًا بإمكانيات التعاون بين مصر وفنلندا في مجالات ترتبط بالمياه والاستدامة البيئية.
وتعتقد الدبلوماسية الفنلندية أن هناك فرصًا واعدة لتعزيز الشراكة بين البلدين في قطاعات التكنولوجيا النظيفة وإدارة الموارد المائية وإعادة التدوير، وهي مجالات تحظى باهتمام متزايد عالميًا في ظل التحديات البيئية الحالية.
كما تولي اهتمامًا خاصًا بقطاع التعليم، وهو أحد المجالات التي تشتهر بها فنلندا دوليًا. وتشير بفخر إلى أن بلادها تطبق نظام الوجبات المدرسية المجانية لجميع الأطفال منذ عام 1948، باعتباره جزءًا من فلسفة أوسع تقوم على إتاحة فرص التعليم بصورة عادلة ومتساوية.
وعلى المستوى الشخصي، تلخص مايجا إحدى القواعد التي صاحبتها طوال مسيرتها المهنية بعبارة بسيطة .. "كن فضوليًا ولا تتردد في طرح الأسئلة التي تبدو ساذجة" .. وترى أن الفضول هو مفتاح التعلم الحقيقي وبناء جسور التواصل بين الناس والثقافات المختلفة.
وتكشف القصتان معًا جانبًا مهمًا من طبيعة العلاقات المصرية الفنلندية، التي لا تقتصر على التعاون الرسمي بين الحكومات، بل تشمل أيضًا تبادل الخبرات وبناء جسور التفاهم الثقافي والإنساني .. كما تعكس اهتمام فنلندا بإعداد كوادر دبلوماسية قادرة على فهم التحولات الإقليمية والدولية من خلال الاحتكاك المباشر بالمجتمعات المختلفة، وهو ما يجعل القاهرة واحدة من المحطات المهمة في هذا المسار، بالنظر إلى ثقلها السياسي وموقعها الإقليمي ودورها المتنامي في ملفات المنطقة.
اقرأ أيضا
Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء


