بعد سنوات من رحيله .. كيف انتصر الشعراوي على الزمن ؟


القاهرة – الساعة عربية
هناك شخصيات تصنع شهرتها في حياتها .. ثم تتراجع تدريجيًا بعد رحيلها .. تتغير الأجيال، وتتبدل الاهتمامات، ويطوي الزمن أسماء كانت يومًا في صدارة المشهد .
لكن الشيخ محمد متولي الشعراوي كان حالة مختلفة .
فبعد أكثر من ربع قرن على وفاته .. لا يزال الرجل حاضرًا في البيوت العربية .. وفي فضاء الإنترنت .. وفي ذاكرة أجيال لم تره أصلًا .. مقاطع قصيرة من خواطره تحقق ملايين المشاهدات .. وكلماته تتردد في أحاديث الناس .. واسمه يعود إلى الواجهة كلما دار الحديث عن أكثر الشخصيات الدينية تأثيرًا في العصر الحديث .
هنا لا يصبح السؤال : من كان الشعراوي ؟
فالشيخ معروف وسيرته محفوظة وتاريخه موثق .
السؤال الأهم هو: لماذا بقي ؟
من عالم أزهري إلى ظاهرة جماهيرية
عندما ولد محمد متولي الشعراوي عام 1911 في قرية دقادوس بمحافظة الدقهلية .. لم يكن أحد يتوقع أن يتحول ذلك الطفل الريفي إلى واحد من أكثر الأصوات تأثيرًا في العالم العربي خلال القرن العشرين .
درس في الأزهر الشريف .. وتدرج في مسيرته العلمية والدعوية مثل كثيرين من أبناء جيله .. لكن ما صنع الفارق لم يكن العلم وحده، فالعلماء كثيرون .. وإنما الطريقة التي قدم بها هذا العلم للناس .
في النصف الثاني من القرن الماضي .. كانت معظم الخطابات الدينية تميل إلى اللغة التقليدية الثقيلة أو الطابع الأكاديمي الذي يخاطب المتخصصين أكثر مما يخاطب الجمهور العريض .. أما الشعراوي فاختار طريقًا مختلفًا .
لم يحاول أن يتحدث إلى الناس من فوق المنبر فقط .. بل تحدث إليهم من داخل حياتهم اليومية .
كان يشرح الآية القرآنية من خلال موقف يعيشه الموظف في عمله .. أو الأب في بيته .. أو الفلاح في أرضه .. وكانت تلك القدرة على ربط النص بالحياة أحد أهم أسرار انتشاره.
لم يكن المستمع يشعر أنه أمام محاضرة .. بل أمام حوار .
ولم يكن المشاهد ينتظر معلومة فحسب .. بل كان ينتظر طريقة الشعراوي في روايتها .
التوقيت الذي صنع الفارق
نجاح الشعراوي لم يكن مرتبطًا بشخصيته فقط .. بل أيضًا باللحظة التاريخية التي ظهر فيها .
فمع اتساع انتشار التلفزيون في مصر والعالم العربي خلال السبعينيات والثمانينيات .. بدأت وسائل الإعلام تلعب دورًا أكبر في تشكيل الوعي العام .. وفي الوقت الذي كانت فيه الشاشات تبحث عن شخصيات قادرة على مخاطبة الجمهور الواسع، كان الشعراوي يمتلك كل المقومات التي يحتاجها هذا العصر الجديد .
لغة سهلة وحضور هادئ وقدرة استثنائية على السرد .
وهكذا انتقل من عالم معروف داخل المؤسسات الدينية إلى شخصية جماهيرية تعرفها ملايين الأسر العربية .
وبمرور الوقت .. لم يعد مجرد مفسر للقرآن أو داعية مشهور .. بل تحول إلى رمز ديني وثقافي ارتبط بذاكرة مرحلة كاملة .
اختبار لم ينجح فيه كثيرون
التاريخ مليء بالشخصيات المؤثرة التي فقدت بريقها بعد رحيلها .
لكن التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين في لحظة معينة .. بل بالقدرة على البقاء عندما تتغير الظروف والأجيال .
وهنا تكمن خصوصية تجربة الشعراوي .
فعندما رحل عام 1998 .. كان العالم على أعتاب ثورة رقمية غيرت كل شيء تقريبًا .. تغيرت وسائل الإعلام .. وتبدلت طرق استهلاك المحتوى .. وظهرت أجيال جديدة لم تعرف زمن التلفزيون التقليدي.
منطق الأشياء كان يقول إن حضور الرجل سيتراجع تدريجيًا .
لكن الذي حدث كان العكس .
فمع ظهور الإنترنت ومنصات الفيديو .. بدأت تسجيلاته القديمة تكتسب جمهورًا جديدًا . وانتقلت خواطره من شرائط الأرشيف إلى الهواتف الذكية .. لتجد طريقها إلى شباب لم يعيشوا عصره ولم يشاهدوه على الهواء مباشرة.
وهنا يبرز عامل مهم .. المحتوى الذي يقدمه الشعراوي لم يكن مرتبطًا بحدث سياسي أو قضية عابرة انتهت بانتهاء زمنها .. بل كان يتناول أسئلة إنسانية تتكرر مع كل جيل .. الإيمان، والرزق، والصبر، والعدل، والخوف، والأمل .
ولهذا وجد جمهوره القديم نفسه يعود إليه، بينما اكتشفه جمهور جديد للمرة الأولى .
أكثر من داعية
ربما يكون الخطأ الأكثر شيوعًا عند الحديث عن الشعراوي هو اختزاله في كونه داعية أو مفسرًا للقرآن فقط .
فالرجل، سواء اتفق معه البعض أو اختلفوا حول بعض آرائه واجتهاداته .. ترك أثرًا يتجاوز الإطار الديني الضيق .
لقد ساهم في تشكيل لغة كاملة للتواصل الديني مع الجمهور .. ورسخ نموذجًا يقوم على تبسيط المعرفة دون تفريغها من مضمونها .. وعلى مخاطبة الناس بلغتهم اليومية دون التخلي عن العمق العلمي .
ولهذا لم يكن تأثيره مرتبطًا فقط بما قاله، بل أيضًا بالطريقة التي قاله بها .
لماذا ما زال حاضرًا ؟
ربما لأن الشعراوي فهم مبكرًا ما لا تدركه شخصيات كثيرة .
فالجمهور لا يبحث دائمًا عن أكثر الناس علمًا .. ولا عن أكثرهم بلاغة .. بل عن الشخص الذي يستطيع أن يجعل المعرفة قريبة منه .
وهذا بالضبط ما فعله .
لقد نجح في بناء علاقة نادرة مع الناس؛ علاقة قائمة على الثقة قبل الإعجاب .. وعلى القرب قبل الشهرة .
ولهذا وبعد سنوات طويلة من رحيله .. ما زال اسمه حاضرًا في المجال العام العربي .
ليس لأن المؤسسات تحفظ سيرته .. ولا لأن الشاشات تستعيد برامجه من حين إلى آخر .. بل لأن أثره ما زال حيًا في ذاكرة ملايين الناس .
وربما هنا يكمن المعنى الحقيقي لظاهرة الشعراوي .
فالشيخ لم ينتصر على منافسيه .. ولا على منتقديه .. ولا حتى على ظروف عصره .
لقد انتصر على الاختبار الأصعب الذي يواجه أي شخصية عامة .. اختبار الزمن .
اقرأ أيضا
Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء


