من القاهرة .. "الكلمة بتفرق" يضع مسؤولية الإعلام في مواجهة الوصم والعنف ضد المرأة


داليا الرشيد – الساعة عربية
شهدت العاصمة المصرية القاهرة انعقاد مؤتمر "الكلمة بتفرق – Words Matter"، وهو حدث إعلامي ركز على مناقشة الدور الذي يلعبه الإعلام في تشكيل الوعي المجتمعي تجاه قضايا الصحة النفسية والعنف ضد المرأة، في ظل تزايد الدعوات إلى تبني خطاب إعلامي أكثر مهنية وإنسانية عند تناول هذه الملفات الحساسة.
المؤتمر، الذي استضافه المعهد الفرنسي في مصر، جاء بدعوة من "ميدفيست مصر" وبالتعاون مع عدد من المؤسسات المحلية والدولية المعنية بالتنمية وحقوق الإنسان، وشكل منصة للحوار بين إعلاميين وخبراء وممثلين عن منظمات المجتمع المدني حول التحديات المرتبطة بتغطية قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي والاضطرابات النفسية بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
ومن بين الجهات المشاركة، حضرت جمعية الفن للتنمية (Media-Arts for Development - MADEV)، التي تعتمد على توظيف الفنون والإنتاج الإعلامي كوسيلة للتوعية المجتمعية وبناء قدرات الشباب .. وشهد المؤتمر مشاركة الدكتورة شيري رمسيس، المدير التنفيذي للجمعية، في جلسة حملت عنوان "قصتها ليست سبقك الصحفي"، وهي جلسة ناقشت الإشكاليات المهنية والأخلاقية المرتبطة بتغطية حوادث العنف ضد النساء في وسائل الإعلام.
وخلال الجلسة، تركز النقاش حول الكيفية التي يمكن للإعلام من خلالها أن يوازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الضحايا في الخصوصية والكرامة الإنسانية. كما تم استعراض عدد من الممارسات الإعلامية التي قد تؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إعادة إنتاج الوصم المجتمعي أو تحويل معاناة الضحايا إلى مادة للإثارة الإعلامية، وهو ما ينعكس سلبًا على جهود التوعية والدعم النفسي والاجتماعي.
وأكد المشاركون أن اللغة المستخدمة في التغطيات الصحفية ليست مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل عنصر مؤثر في تشكيل التصورات المجتمعية تجاه الأفراد والقضايا، وهو ما يفسر اختيار عنوان المؤتمر "الكلمة بتفرق"، في إشارة إلى التأثير الذي يمكن أن تحدثه المفردات والصياغات الإعلامية في حياة الأشخاص المتأثرين بالعنف أو الاضطرابات النفسية.
وفي إطار استعراض النماذج العملية التي يمكن أن تسهم في إحداث تغيير مجتمعي، شهدت الجلسة عرض فيلم "قبل الأوان"، أحد إنتاجات جمعية الفن للتنمية .. ويُعد الفيلم من الأعمال التي تناولت قضايا اجتماعية مؤثرة من خلال معالجة فنية تهدف إلى رفع الوعي وتحفيز النقاش المجتمعي حول قضايا المرأة.
ويحمل الفيلم سجلًا مميزًا على مستوى التقدير الفني، إذ سبق أن فاز بجائزة أفضل فيلم ضمن فئة "الأفلام ذات الأثر" في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، وهو ما منحه حضورًا خاصًا خلال فعاليات المؤتمر باعتباره مثالًا على قدرة الأعمال الفنية على تجاوز حدود الترفيه لتصبح أداة للتثقيف والتغيير.
ويعكس عرض الفيلم داخل مؤتمر متخصص في الإعلام جانبًا متزايد الأهمية في النقاشات المعاصرة، يتمثل في العلاقة المتشابكة بين الإعلام والفن كوسيلتين للتأثير في الرأي العام .. فبينما تمتلك المؤسسات الإعلامية القدرة على الوصول السريع إلى الجمهور، توفر الأعمال الفنية مساحة أوسع للتفاعل العاطفي والإنساني مع القضايا المجتمعية، وهو ما يجعل الجمع بين الأداتين أكثر فاعلية في معالجة القضايا الشائكة.
وتأتي هذه المناقشات في وقت تشهد فيه المنطقة والعالم اهتمامًا متزايدًا بمراجعة المعايير المهنية الخاصة بتغطية قضايا الصحة النفسية والعنف ضد المرأة، خصوصًا مع تنامي دور المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر المعلومات وتشكيل الاتجاهات العامة.
كما تعكس مشاركة منظمات المجتمع المدني في مثل هذه الفعاليات توجهًا نحو تعزيز الشراكات بين القطاعات المختلفة، بما يضمن إنتاج محتوى إعلامي أكثر حساسية للقضايا الإنسانية وأكثر قدرة على المساهمة في بناء وعي مجتمعي قائم على الفهم والاحترام بدلًا من الوصم والأحكام المسبقة.
وتشير مجريات المؤتمر إلى أن النقاش لم يعد يقتصر على كيفية نقل الأخبار، بل امتد إلى مسؤولية الإعلام في التأثير على السلوك المجتمعي وصناعة التصورات العامة .. وفي هذا السياق، تبرز تجربة جمعية الفن للتنمية وفيلم "قبل الأوان" كنموذج يوضح كيف يمكن للفن والإعلام أن يعملا معًا من أجل دعم قضايا التوعية المجتمعية وإيصال الرسائل الإنسانية بصورة أكثر تأثيرًا واستدامة.
وفي المحصلة، يعكس مؤتمر "الكلمة بتفرق" توجهًا متناميًا نحو إعادة النظر في لغة الخطاب الإعلامي وآليات تناوله للقضايا الحساسة، خاصة تلك المرتبطة بالمرأة والصحة النفسية .. كما يؤكد أن بناء مجتمع أكثر وعيًا لا يعتمد فقط على نقل الوقائع، وإنما على الطريقة التي تُروى بها تلك الوقائع، وهو ما يمنح الإعلام والفن دورًا محوريًا في دعم التغيير المجتمعي وتعزيز ثقافة الاحترام والإنصاف.
اقرأ أيضا
Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء


