ماسبيرو يستعيد بريق الإعلام الجميل


القاهرة – خاص لـ الساعة عربية
شهدت أروقة المبنى العريق للإذاعة والتلفزيون المصري "ماسبيرو" حدثاً إعلامياً بارزاً، أعاد إلى الأذهان العصر الذهبي للشاشة الصغيرة، وقدم درساً عملياً في أصول العمل الصحفي والتلفزيوني المتين.
ففي حلقة استثنائية من برنامج "من ماسبيرو"، التفت باقة من أبرز الإعلاميات المصريات؛ دعاء فاروق، ومفيدة شيحة، وريم الشافعي، وسالي شاهين، في ضيافة المذيعة مريم أمين، ليقدمن نموذجاً حوارياً راقياً، افتقدته الشاشات العربية طويلاً في ظل موجة "الإعلام الاستهلاكي" الصاخب.
وجاء هذا اللقاء ليعبر بوضوح عن حالة من الاشتياق الجماعي لزمن الحوار المتزن، حيث أثنت الإعلامية دعاء فاروق علناً على الأجواء التلفزيونية التي أعادت للجمهور "روايح زمان". وشددت على أن الجمهور بات يعاني من حالة تشبع سلبي وضيق شديد من الحلقات التي تعتمد على "القيل والقال"، والمشاحنات المفتعلة، والتصريحات الغريبة التي تهدف فقط إلى إشعال الخلافات بين الناس، مؤكدة أن حوارها مع زميلاتها، والذي أدير بمهنية ومحبة فائقة، يثبت أن أصالة مدرسة التلفزيون المصري ما زالت حية وقادرة على جذب المشاهد.
لمن لم يتابع تفاصيل هذا اللقاء، فإن الأمر بدأ برغبة قطاع التلفزيون المصري في إحياء الروح المهنية التي أسسها عمالقة الإعلام في العقود الماضية.
واستضاف البرنامج أسماء لها ثقلها وصاحبة تاريخ إعلامي ممتد في القنوات الفضائية الحكومية والخاصة. ورغم اختلاف مدارسهن وخلفياتهن البرامجية، إلا أن المذيعة مريم أمين نجحت في إدارة حوار اتسم بالرقي البصري واللفظي، والابتعاد الكامل عن الإثارة الرخيصة.
هذا التجمع النادر أثار موجة واسعة من الإشادة على منصات التواصل الاجتماعي، واعتبره الكثيرون بمثابة "ميثاق شرف شفهي" جديد يعيد صياغة مواصفات البرنامج التلفزيوني الناجح خارج حسابات "التريند" المؤقت.
إذا أردنا قراءة هذا الحدث بشكل أعمق، فإن تصريحات المذيعات الحاضرات لا تقتصر على كونها كلمات شكر عابرة، بل هي "صرخة احتجاج مهنية" من قلب أبناء المهنة أنفسهم ضد الواقع الحالي للإعلام الفضائي.
لقد تحولت الشاشات في الآونة الأخيرة إلى ساحات للمعارك الكلامية، والبحث وراء المشاهدات عبر استضافة شخصيات تثير الجدل، أو تعمد إحراج الضيوف لإخراج تصريحات غريبة تتصدر محركات البحث لعدة ساعات ثم تختفي، تاركه وراءها تراجعاً حاداً في الذوق العام.
المقارنة هنا بين "الزمن الجميل" والإعلام الحالي ليست مجرد نوستالجيا أو بكاء على الأطلال؛ بل هي مقارنة بين مدرسة "صناعة الوعي وبناء الإنسان" ومدرسة "صناعة الإثارة وجني الأرباح الإعلانية".
في زمن العمالقة، كان المذيع يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن الشاشة تدخل كل بيت مصري وعربي، فكان الالتزام باللغة، والمظهر اللائق، واحترام خصوصية الضيف وعقلية المشاهد هو المحرك الأساسي.
أما اليوم، فإن الضغط التجاري الرهيب على القنوات الفضائية الخاصة جعلها تقع في فخ "التريند"، وهو ما جعل إعلاميات يمتلكن شعبية جارفة مثل دعاء فاروق ومفيدة شيحة يعلنّ بكل صراحة "زهقنا".
هذا الاعتراف يعكس وعياً صحفياً بأن الجمهور نفسه بدأ يلفظ هذا المحتوى الهابط، ويبحث عن البديل النقي الذي يذكره بجذوره الثقافية والاجتماعية.
إن نجاح هذه الحلقة الاستثنائية يبعث برسالة قوية وصريحة إلى القائمين على الخريطة الإعلامية العربية .. المشاهد لم يتغير، وما زال يقدر الحوار الذكي والمضمون المحترم.
والعودة إلى معايير ماسبيرو الصارمة في الإعداد والتقديم، ليست تراجعاً للخلف، بل هي طوق النجاة الوحيد لإعادة الإعلام الفضائي إلى مساره الصحيح كمنارة للتنوير والتثقيف، بدلاً من كونه ساحة للاستعراض والإثارة اليومية.










Related Stories
Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء


