إسرائيل ترفض الانسحاب وتتمسك بوجودها العسكري في لبنان


ماجد السديري – الساعة عربية
في وقت تتواصل فيه المحادثات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، أطلق وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تصريحات جديدة حملت رسائل سياسية وأمنية واضحة، أكد خلالها أن بلاده لن تنسحب من الأراضي التي تسيطر عليها في جنوب لبنان، حتى في حال تعرضت لضغوط أو مطالبات أمريكية مباشرة.
التصريحات جاءت خلال مشاركته في مؤتمر "موني إكسبو" بمدينة تل أبيب، حيث شدد على أن الموقف الإسرائيلي محسوم في هذه القضية، معتبرًا أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في بعض المناطق الحدودية يمثل جزءًا من الرؤية الأمنية التي تتبناها الحكومة الحالية.
وقال كاتس إن إسرائيل أوضحت موقفها بشكل كامل لجميع الأطراف المعنية، مضيفًا أن الولايات المتحدة لم تطلب حتى الآن من تل أبيب الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي تسيطر عليها. كما أشار إلى أنه نقل هذا الموقف إلى نظيره الأمريكي، فيما سبق أن أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموقف ذاته خلال اتصالاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
موقف متشدد رغم مؤشرات سابقة للمرونة
وتحمل تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي أهمية خاصة لأنها تأتي بعد تقارير إعلامية تحدثت خلال الأشهر الماضية عن دراسة إسرائيل تنفيذ خطوات انسحاب محدودة أو "رمزية" من بعض المواقع في جنوب لبنان، في إطار إجراءات تهدف إلى دعم المسار التفاوضي الجاري مع الحكومة اللبنانية.
وبحسب تلك التقارير، كانت الفكرة تقوم على تقديم بادرة حسن نية قد تساعد في دفع المفاوضات إلى الأمام وتخفيف حدة التوتر على الحدود. إلا أن تصريحات كاتس الأخيرة توحي بأن المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل تميل حاليًا إلى التشدد أكثر من تقديم تنازلات ميدانية.
ويرى مراقبون أن هذا التحول قد يكون مرتبطًا بالحسابات الأمنية الإسرائيلية بعد المواجهات التي شهدتها الحدود اللبنانية خلال الفترة الماضية، وكذلك بالرغبة في الاحتفاظ بأوراق ضغط خلال المفاوضات الجارية.
مفاوضات مستمرة بين واشنطن وبيروت وتل أبيب
تأتي هذه التطورات بينما تستضيف العاصمة الأمريكية واشنطن جولة جديدة من المحادثات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، في محاولة لمعالجة الملفات العالقة التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة.
وكان رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام قد أعرب عن قدر من التفاؤل الحذر بشأن نتائج هذه المفاوضات، مؤكدًا أن لبنان ينتظر الاطلاع على المقترحات التي قد يقدمها الجانب الإسرائيلي بشأن الترتيبات الأمنية المستقبلية.
وأوضح سلام أن بيروت ستدرس أي مقترحات مطروحة وفقًا لمصالحها الوطنية، مع التأكيد على أن هناك ملفات أساسية لا يمكن تجاوزها، وفي مقدمتها قضية الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل، إضافة إلى الملفات الحدودية التي لا تزال محل خلاف بين الطرفين.
كما لفت رئيس الحكومة اللبنانية إلى أن المسار التفاوضي الجاري في واشنطن يمثل بالنسبة للبنان خيارًا عمليًا وأقل تكلفة من بدائل أخرى طُرحت في فترات سابقة، في إشارة إلى مسارات دبلوماسية جرت أو كان من الممكن أن تجري في دول أخرى.
عقدة الحدود والأمن
تُعد قضية الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين، خاصة في ظل استمرار الخلافات المرتبطة بالحدود البرية والنقاط المتنازع عليها.
وخلال السنوات الماضية، ظل تطبيق الترتيبات الأمنية على الحدود محل نقاش دائم بين الجانبين، بينما تزايدت الضغوط الدولية لإيجاد آلية تضمن الاستقرار وتمنع تكرار المواجهات العسكرية.
غير أن تصريحات كاتس الأخيرة تعكس وجود فجوة واضحة بين الرؤية الإسرائيلية والمطالب اللبنانية، وهو ما قد يضع تحديات إضافية أمام المفاوضات الجارية.
وفي الوقت نفسه، حذر السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة من أن فرص نجاح المحادثات قد تتراجع بسبب ما وصفه بتأثير النفوذ الإيراني داخل لبنان، وهو ملف تعتبره إسرائيل جزءًا أساسيًا من حساباتها الأمنية في المنطقة.
رسائل تتجاوز الحدود اللبنانية
لا تبدو تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي موجهة إلى لبنان فقط، بل تحمل أيضًا رسائل إلى أطراف دولية وإقليمية عدة. فمن جهة، تؤكد الحكومة الإسرائيلية أنها لا تنوي تقديم تنازلات مجانية خلال المفاوضات الحالية، ومن جهة أخرى تسعى إلى إظهار تماسك موقفها أمام حلفائها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة.
كما تأتي التصريحات في توقيت تشهد فيه المنطقة تحركات دبلوماسية مكثفة لإعادة ترتيب الملفات الأمنية بعد شهور من التصعيد، وهو ما يجعل أي موقف رسمي صادر عن تل أبيب أو بيروت محل متابعة دقيقة من القوى الدولية المعنية بالملف.
ماذا تعني هذه التطورات؟
تكشف التصريحات الأخيرة عن استمرار التباعد بين المواقف اللبنانية والإسرائيلية بشأن مستقبل المناطق الحدودية والترتيبات الأمنية المرتبطة بها .. ورغم استمرار المفاوضات في واشنطن، فإن تمسك إسرائيل العلني بعدم الانسحاب يضع عقبة جديدة أمام أي اتفاق شامل في المدى القريب .. وفي المقابل، تواصل بيروت التمسك بمطالبها المتعلقة بالحدود والأسرى والسيادة على أراضيها .. وبين هذين الموقفين، تبدو نتائج الجولات التفاوضية المقبلة عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تفاهمات تدريجية أم نحو مرحلة جديدة من الجمود السياسي والأمني.
اقرأ أيضا
Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء


