جدل إبراهيم عيسى ومنتخب مصر .. سؤال مشروع أم معركة بلا أدلة؟


أدهم الشريف – الساعة عربية
أثار الكاتب الصحفي والإعلامي إبراهيم عيسى موجة من الجدل بعد منشور تساءل فيه عن سبب وجود لاعبين مسلمين في منتخبات كأس العالم المختلفة .. مقابل غياب لاعبين مسيحيين عن المنتخب المصري .. موجهاً سؤالاً ضمنياً حول معايير الاختيار داخل كرة القدم المصرية وما إذا كانت تخضع لعوامل غير رياضية.
الطرح أعاد إلى الساحة نقاشاً حساساً يتعلق بالدين والهوية والانتماء داخل المجال الرياضي .. وهو نقاش يتكرر بين الحين والآخر في مصر .. لكنه يعود هذه المرة في توقيت يشهد فيه المنتخب الوطني ارتباطات ومنافسات مهمة .. الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل: هل يستند هذا الحديث إلى وقائع وأدلة موثقة أم أنه مجرد إثارة لجدل إعلامي جديد؟
السؤال الأهم : أين الوقائع؟
في القضايا العامة، خصوصاً تلك المرتبطة بالتمييز أو العدالة أو تكافؤ الفرص .. لا يكفي طرح التساؤلات وحدها .. بل يصبح من الضروري تقديم أمثلة وأدلة تدعم الفرضية المطروحة.
فإذا كان هناك لاعب مسيحي يمتلك من الإمكانات الفنية ما يؤهله للانضمام إلى المنتخب الوطني وتم استبعاده بسبب معتقده الديني .. فإن القضية تصبح خطيرة وتستحق التحقيق والنقاش العام .. أما إذا لم يتم تقديم أسماء أو وقائع أو حالات محددة يمكن الاستناد إليها .. فإن النقاش يتحول من مناقشة حقائق إلى تداول افتراضات يصعب التحقق منها.
وفي منشوره .. لم يطرح إبراهيم عيسى أسماء لاعبين بعينهم قال إنهم تعرضوا للظلم أو الإقصاء .. ولم يقدم شواهد على وجود قرارات فنية اتخذت على أساس ديني سواء في عهد المدير الفني الحالي حسام حسن أو في عهود المدربين السابقين.
وهنا يبرز سؤال منطقي : من هو اللاعب المسيحي الذي كان يستحق الانضمام إلى المنتخب وتم تجاهله ؟ .. وإذا كانت هناك حالات بالفعل، فلماذا لم يتم عرضها للرأي العام؟
كيف تُبنى المنتخبات الوطنية؟
على مدار عقود .. مرت على المنتخب المصري أجيال مختلفة من اللاعبين والمدربين والإدارات الفنية .. وفي جميع الأحوال كانت المعايير المعلنة ترتبط بالمستوى الفني والجاهزية البدنية والاحتياجات التكتيكية.
وقد شهدت الكرة المصرية في مراحل مختلفة مشاركة لاعبين من خلفيات اجتماعية وجغرافية متنوعة .. بينما لم يكن الانتماء الديني جزءاً معلناً من ملفات التقييم أو الاختيار.
كما أن لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحادات المحلية لا تتضمن أي تصنيف ديني للاعبين .. بل تعتمد بالكامل على الجوانب الرياضية والفنية.
لذلك فإن أي اتهام بوجود تمييز ممنهج يحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد التساؤل أو الانطباع .. ويستلزم وجود أدلة قابلة للفحص والتحقق.
هل المشكلة في التمثيل أم في طريقة قراءة الواقع؟
يرى متابعون أن الخلط بين مفهوم "التمثيل" ومفهوم "التمييز" يمثل أحد أسباب الجدل.
فعدم وجود تمثيل واضح لفئة معينة في مجال ما لا يعني بالضرورة وجود تمييز ضدها .. إذ قد تكون هناك عوامل أخرى مرتبطة بقاعدة الممارسة الرياضية .. أو توزيع المواهب، أو المسارات الاحترافية .. أو حتى طبيعة المنافسة نفسها.
وفي المقابل .. فإن إثبات التمييز يتطلب وجود حالات موثقة تثبت أن أشخاصاً متساوين في الكفاءة تعرضوا للمعاملة بشكل مختلف بسبب الدين أو العرق أو الخلفية الاجتماعية.
وهذا الفارق الجوهري هو ما يجعل النقاش الحالي بحاجة إلى معلومات أكثر من حاجته إلى شعارات أو استنتاجات مسبقة.
توقيت يثير التساؤلات
اللافت أن الجدل يأتي في فترة يركز فيها الشارع الرياضي على نتائج المنتخب واستعداداته واستحقاقاته المقبلة.
وعادة ما تكون مثل هذه النقاشات ذات الحساسية العالية أكثر تأثيراً عندما تطرح خلال فترات المنافسات .. لأنها تنقل الاهتمام من الملفات الفنية والرياضية إلى سجالات الهوية والانتماء.
ولهذا يرى البعض أن الأولوية في هذه المرحلة ينبغي أن تظل مرتبطة بأداء المنتخب ومستواه الفني وقدرته على تحقيق أهدافه .. بينما يمكن مناقشة أي ملفات تتعلق بالعدالة أو تكافؤ الفرص من خلال بيانات وإحصاءات ودراسات واضحة .. بعيداً عن الاستقطاب والانفعال.
بين حرية السؤال ومسؤولية الإثبات
لا خلاف على حق أي كاتب أو إعلامي في طرح الأسئلة التي يراها مهمة .. فالنقاش العام جزء أساسي من أي مجتمع حي .. لكن في المقابل، تزداد أهمية المسؤولية عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس النسيج الاجتماعي أو تثير حساسيات دينية.
فالسؤال الذي لا يستند إلى وقائع قد يفتح أبواباً واسعة للجدل دون أن يقود إلى إجابات حقيقية .. بينما السؤال المدعوم بالأدلة يمكن أن يسهم في كشف مشكلة فعلية ومعالجتها.
وفي حالة الجدل الحالي .. تبدو الحاجة أكبر إلى الحقائق والأرقام والأسماء المحددة أكثر من الحاجة إلى العناوين المثيرة.
وفي النهاية .. لا تبدو القضية مرتبطة بوجود أو غياب لاعب بعينه بقدر ارتباطها بمدى توافر الأدلة على وجود مشكلة من الأساس .. فالنقاش الجاد يبدأ من الوقائع وينتهي إليها .. أما الاكتفاء بإطلاق التساؤلات دون سند واضح فقد يحول قضية رياضية إلى سجال إعلامي لا يقدم إجابات بقدر ما ينتج مزيداً من الجدل .. وهو ما يجعل السؤال المطروح اليوم ليس عن المنتخب المصري فقط، بل عن الحدود الفاصلة بين إثارة النقاش المشروع وصناعة الضجيج الإعلامي.
اقرأ أيضا
Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء


