حلمي النمنم : الثقافة تُقاس بأثرها لا بعائدها المادي


أدهم الشريف – الساعة عربية
في وقت تتزايد فيه أهمية الأدوات غير التقليدية في تعزيز حضور الدول وتأثيرها على الساحة الدولية، أكد الكاتب والمفكر حلمي النمنم، وزير الثقافة الأسبق، أن الثقافة لا يمكن قياسها بمنطق الربح والخسارة المباشرة، وإنما بما تتركه من أثر ممتد في المجتمع والدولة وعلاقاتها الخارجية.
جاءت تصريحات النمنم خلال استضافته في برنامج "العالم غداً" المذاع على شاشة القناة الأولى بالتليفزيون المصري، حيث تناولت الحلقة مفهوم القوة الناعمة المصرية، ودورها في دعم مكانة الدولة داخلياً وخارجياً، إلى جانب مناقشة العلاقة بين الثقافة والتنمية والتأثير الحضاري.
وخلال الحوار، أشار وزير الثقافة الأسبق إلى أن العالم شهد خلال السنوات الأخيرة تطوراً في المفاهيم المرتبطة بالتأثير الدولي، موضحاً أن مصطلح "القوة الناعمة" لم يعد وحده كافياً لوصف أدوات النفوذ الحديثة، حيث برز مفهوم "القوة الذكية" الذي يجمع بين عناصر القوة الناعمة والقوة الصلبة في إطار واحد.
وأوضح أن الدول الناجحة لا تعتمد على جانب واحد فقط، بل توظف مختلف أدواتها السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية لتحقيق مصالحها وتعزيز حضورها العالمي، مشيراً إلى أن مصر تمتلك رصيداً تاريخياً كبيراً من عناصر القوة الناعمة التي حافظت على تأثيرها عبر عقود طويلة.
القوة الناعمة المصرية .. إرث متجدد
وأكد النمنم أن أبرز ما يميز القوة الناعمة المصرية هو قدرتها المستمرة على التجدد والتطور، رغم المتغيرات التي شهدها العالم والمنطقة خلال العقود الماضية.
وأشار إلى أن تأثير مصر لم يكن مرتبطاً بالفنون والدراما فقط، بل يمتد إلى مجالات عديدة شكلت جزءاً من صورتها الحضارية، من بينها الطب والتعليم والجامعات المصرية والمدرسة المصرية في تلاوة القرآن الكريم، إلى جانب الدبلوماسية المصرية التي لعبت دوراً مهماً في بناء جسور التواصل مع مختلف دول العالم.
وأضاف أن هذه العناصر مجتمعة ساهمت في ترسيخ مكانة مصر الثقافية والحضارية، وأسهمت في تعزيز علاقاتها مع العديد من الدول الأوروبية، مؤكداً أن تأثير القوة الناعمة يظهر أحياناً في تفاصيل قد تبدو بعيدة عن المشهد الثقافي المباشر، لكنه ينعكس في صورة الدولة وعلاقاتها الدولية.
الثقافة والاستثمار في المستقبل
وشدد وزير الثقافة الأسبق على ضرورة النظر إلى الثقافة باعتبارها نشاطاً استراتيجياً ورئيسياً في عملية بناء الإنسان، وليس مجرد نشاط ترفيهي أو قطاع يبحث عن عوائد مالية سريعة.
وأوضح أن تقييم المشروعات الثقافية يجب أن يعتمد على أثرها المستقبلي في تشكيل الوعي وترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز قيم الإبداع والانتماء، لافتاً إلى أن العائد الحقيقي للثقافة يظهر على المدى الطويل من خلال انعكاساته على المجتمع والتعليم والفكر والسلوك العام.
وفي هذا السياق، دعا إلى التوسع في المؤسسات الثقافية داخل المحافظات المختلفة، والاستفادة من البنية الثقافية التي تمتلكها الدولة، والتي تشمل دار الأوبرا المصرية وقصور الثقافة وبيوت الثقافة المنتشرة في العديد من المناطق.
وأكد أن وجود مؤسسات فاعلة لنشر الفنون والآداب في مختلف المحافظات يمثل ركيزة أساسية لتحقيق العدالة الثقافية والوصول إلى شرائح أوسع من المواطنين.
تعزيز الحضور الثقافي المصري بالخارج
وعلى مستوى العلاقات الدولية، طالب النمنم بزيادة عدد المراكز الثقافية المصرية خارج البلاد، خاصة في الدول الأوروبية، مع العمل على فتح مراكز جديدة تسهم في التعريف بالثقافة المصرية وتاريخها وإبداعها المعاصر.
كما أشاد بالجهود المبذولة لتعزيز التعاون الثقافي بين مصر وعدد من الدول، مشيراً إلى أهمية هذه الشراكات في توسيع نطاق الحضور الثقافي المصري على الساحة الدولية.
وتطرق الحوار كذلك إلى العلاقات التاريخية بين الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، باعتبارها نموذجاً للتعاون والتفاهم والاحترام المتبادل، وهي القيم التي أسهمت في ترسيخ صورة إيجابية عن المجتمع المصري وقدرته على التعايش والتنوع.
الحرية الثقافية وصناعة التأثير
وشهدت الحلقة نقاشاً حول العلاقة بين الحرية الثقافية والقوة الناعمة، حيث اعتبر النمنم أن تاريخ مصر الحديث يقدم نماذج عديدة تؤكد أهمية المناخ الثقافي والفكري في إنتاج المعرفة والإبداع.
وأشار إلى أن تطور المؤسسات التعليمية وظهور الجامعات المصرية كانا من أبرز الشواهد على ارتباط النهضة الثقافية بوجود بيئة تسمح بالإبداع وتبادل الأفكار، وهو ما انعكس على مكانة مصر الفكرية والعلمية في المنطقة.
دلالات الحدث وتأثيراته
تعكس تصريحات حلمي النمنم استمرار النقاش حول مستقبل القوة الناعمة المصرية ودورها في عالم يشهد تغيرات متسارعة في أدوات التأثير الدولي. كما تسلط الضوء على أهمية الاستثمار في الثقافة باعتبارها أحد مكونات الأمن القومي وبناء الوعي المجتمعي، وليس مجرد قطاع خدمي أو ترفيهي .. وتؤكد الدعوات إلى تعزيز المؤسسات الثقافية داخل مصر وخارجها أن الحفاظ على المكانة الحضارية للدولة يتطلب رؤية طويلة المدى تركز على الأثر والتأثير المستدام، بما يضمن استمرار الحضور المصري الفاعل على المستويين الإقليمي والدولي.
اقرأ أيضا
Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء


