الإقامة الذهبية تشعل السخرية في لبنان

6/24/2026

داليا الرشيد – الساعة عربية

أعاد مشروع "الإقامة الذهبية" الذي أقرته لجنة المال والموازنة في البرلمان اللبناني فتح النقاش حول مستقبل الاستثمار في البلاد، لكنه في الوقت نفسه أثار موجة واسعة من الانتقادات والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث رأى كثيرون أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بغياب الحوافز، بل بغياب البيئة الاقتصادية القادرة على استقطاب المستثمرين وحماية أموالهم.

ويأتي المشروع في وقت لا يزال فيه لبنان يحاول التعافي من تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية التي انفجرت عام 2019، والتي أدت إلى انهيار العملة المحلية وتراجع مستويات المعيشة وتجميد جزء كبير من ودائع المواطنين داخل المصارف، فضلاً عن استمرار التحديات المرتبطة بالخدمات العامة والبنية التحتية.

ماذا يتضمن المشروع؟

بحسب ما أعلنته لجنة المال والموازنة، يمنح المشروع إقامة خاصة للأجانب أو اللبنانيين المقيمين في الخارج مقابل استثمار لا يقل عن 500 ألف دولار داخل لبنان.

وحدد المشروع ثلاثة مسارات استثمارية للاستفادة من الإقامة، مع اشتراط تحويل الأموال من الخارج وإخضاعها لإجراءات رقابية وتدقيق مالي لمنع عمليات تبييض الأموال أو الاستثمارات غير المشروعة.

كما ينص المقترح على رسوم سنوية لا تقل عن 50 ألف دولار عن كل فرد من أفراد عائلة المستثمر الراغب في الاستفادة من الامتيازات المرتبطة بالإقامة.

ويرى مؤيدو المشروع أنه قد يساهم في جذب رؤوس أموال جديدة إلى الاقتصاد اللبناني، وتنشيط قطاعات الإنتاج والعقارات والخدمات، إضافة إلى توفير موارد إضافية للخزينة العامة وفرص عمل جديدة في حال نجاحه في استقطاب مستثمرين فعليين.

لكن المشروع لا يزال في مرحلة التشريع الأولية، إذ يحتاج إلى موافقة الهيئة العامة لمجلس النواب قبل أن يصبح قانوناً نافذاً.

لماذا جاءت ردود الفعل غاضبة؟

لم يكن الاعتراض على فكرة الإقامة الذهبية بحد ذاتها، فمثل هذه البرامج مطبقة في عشرات الدول حول العالم، من بينها دول أوروبية وخليجية وآسيوية تستخدمها كوسيلة لجذب الاستثمارات الأجنبية.

لكن الجدل اللبناني ارتبط بالظروف الاقتصادية والسياسية الحالية أكثر من ارتباطه بمضمون المشروع.

فمنذ اندلاع الأزمة المالية، فقد القطاع المصرفي جزءاً كبيراً من ثقة المواطنين والمستثمرين، بينما لا تزال ملفات إصلاح البنوك وإعادة هيكلة الاقتصاد تراوح مكانها، إلى جانب تعثر المفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية.

لذلك تساءل كثير من المنتقدين: كيف يمكن إقناع مستثمر أجنبي بتحويل نصف مليون دولار إلى بلد لا يزال يعاني من أزمة ثقة مصرفية ومالية مستمرة منذ سنوات؟

أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة استثمار

ركزت غالبية التعليقات المنتقدة على أن جذب الاستثمارات لا يعتمد فقط على منح إقامة أو امتيازات قانونية، بل يرتبط بمجموعة من العوامل الأساسية مثل استقرار القوانين، واستقلال القضاء، وسهولة ممارسة الأعمال، وشفافية النظام المالي.

ويرى خبراء اقتصاديون أن المستثمر الأجنبي عادة ما يبحث أولاً عن ضمانات حماية رأس المال قبل البحث عن الامتيازات الإدارية أو الضريبية.

وفي الحالة اللبنانية، لا تزال هناك أسئلة مطروحة حول قدرة الدولة على استعادة الثقة المفقودة، خصوصاً بعد سنوات من الأزمات التي دفعت آلاف الشركات إلى تقليص أعمالها، كما شجعت موجات واسعة من الهجرة بين الشباب وأصحاب الكفاءات.

مقارنة مع التجارب العالمية

تجارب "الإقامة الذهبية" حققت نجاحات متفاوتة حول العالم. ففي بعض الدول ساهمت البرامج المشابهة في تنشيط سوق العقارات وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بينما واجهت انتقادات في دول أخرى بسبب مخاوف تتعلق بغسل الأموال أو استغلال الثغرات القانونية.

لكن العامل المشترك في أغلب التجارب الناجحة كان وجود بيئة اقتصادية مستقرة ومؤسسات قوية تمنح المستثمر شعوراً بالأمان على أمواله ومشاريعه.

ولهذا يرى مراقبون أن نجاح أي برنامج مماثل في لبنان سيظل مرتبطاً بقدرة الدولة على معالجة المشكلات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد، وليس فقط بإقرار حوافز جديدة.

الهجرة تكشف مفارقة لافتة

ومن بين أكثر النقاط التي جرى تداولها خلال النقاش، المفارقة المتمثلة في استمرار خروج أعداد كبيرة من اللبنانيين إلى الخارج بحثاً عن فرص عمل واستقرار اقتصادي أفضل، بالتزامن مع طرح خطة تهدف إلى جذب مستثمرين أجانب للإقامة داخل البلاد.

فبحسب تقديرات متداولة، غادر مئات الآلاف من اللبنانيين البلاد خلال السنوات الأخيرة، وهو ما دفع بعض المنتقدين إلى التساؤل حول أولوية السياسات الاقتصادية الحالية، وما إذا كان التركيز يجب أن يكون أولاً على خلق ظروف تشجع اللبنانيين أنفسهم على البقاء والاستثمار داخل وطنهم.

بين الطموح والواقع

يكشف الجدل الدائر حول مشروع الإقامة الذهبية أن النقاش في لبنان تجاوز حدود قانون استثماري جديد، ليعكس أزمة أعمق تتعلق بمستوى الثقة بين الدولة والمواطنين والمستثمرين.

فالفكرة من حيث المبدأ ليست جديدة ولا استثنائية على المستوى الدولي، إلا أن نجاحها في لبنان سيعتمد على قدرة السلطات على تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومصرفية حقيقية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الشفافية وسيادة القانون.

وفي ظل استمرار التحديات الحالية، يبدو أن المستثمرين المحتملين لن ينظروا فقط إلى قيمة الاستثمار المطلوبة أو مزايا الإقامة، بل إلى السؤال الأكثر أهمية: هل بات لبنان جاهزاً بالفعل لاستقبال استثمارات جديدة في بيئة مستقرة وآمنة؟ والإجابة عن هذا السؤال قد تكون العامل الحاسم في تحديد مصير المشروع ومستقبله.

اقرأ أيضا

Elsa3h © 2025

حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.

بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء

تابِعنا