مصر تفرض نفسها على المونديال .. وبلجيكا تنجو بنقطة ثمينة

6/16/2026

كريم الهواري – الساعة عربية

لم تكن المشكلة أن المنتخب المصري تعادل مع بلجيكا. المشكلة الحقيقية أن المباراة انتهت بينما كان هناك شعور واضح بأن الفراعنة تركوا انتصارًا في الملعب.

قبل صافرة البداية .. كانت الحسابات التقليدية تمنح الأفضلية لبلجيكا .. منتخب أوروبي يمتلك خبرات كأس العالم والأسماء الكبيرة .. في مواجهة منتخب مصري لا يزال يبحث عن تثبيت أقدامه بين كبار اللعبة .. لكن ما حدث على أرض الملعب رسم صورة مختلفة تمامًا.

على مدار تسعين دقيقة .. قدم المنتخب المصري واحدة من أكثر مبارياته اكتمالًا في السنوات الأخيرة .. ضغط منظم، انتشار جيد، شجاعة في امتلاك الكرة، وتحولات هجومية سريعة أربكت المنتخب البلجيكي وأجبرته على خوض المباراة وفق إيقاع لم يكن يفضله.

لأول مرة منذ سنوات طويلة .. بدا المنتخب المصري وكأنه لا يخشى اسم المنافس.

ولهذا أعادت المباراة إلى أذهان كثيرين تلك المواجهات التي صنعت مكانة الكرة المصرية عالميًا .. عندما وقف الفراعنة وجهًا لوجه أمام منتخبات كبرى دون رهبة أو تراجع.

عندما سجلت مصر .. بدأت المشكلة

المنتخب المصري نجح في الوصول إلى مرمى بلجيكا واستحق هدف التقدم .. لكن ما حدث بعد ذلك كشف عن أحد أقدم الأمراض الكروية في المنطقة العربية عمومًا.

بعد الهدف، لعبت مصر وكأن المهمة اكتملت.

أما بلجيكا فلعبت وكأن المباراة بدأت للتو.

هنا ظهر الفارق بين منتخب يمتلك ثقافة البقاء في المنافسة حتى اللحظة الأخيرة، ومنتخب لا يزال يتعلم كيف يتعامل مع لحظات التفوق أمام الكبار.

بلجيكا الحالية ليست الفريق الذي أرعب العالم في مونديال 2018، وليست النسخة التي نافست على لقب كأس العالم قبل سنوات .. ومع ذلك احتفظت بشيء أكثر أهمية من الأسماء والنجوم .. عقلية العودة.

ولذلك لم يتعامل البلجيكيون مع التأخر باعتباره نهاية المشهد .. بل باعتباره مجرد عقبة يمكن تجاوزها .. ومع مرور الوقت نجحوا في استعادة التوازن ثم خطف هدف التعادل.

المفارقة أن المنتخب المصري لم يكن أقل جودة من منافسه ... بل ربما كان الطرف الأقرب إلى الفوز.

الأرقام نفسها تؤكد ذلك .. بلجيكا استحوذت بنسبة 54% مقابل 46% لمصر، وسددت 15 كرة مقابل 14 للفراعنة، بينما وصل كل منتخب إلى 3 تسديدات فقط على المرمى.

لكن لغة الأرقام لا تروي القصة كاملة.

فرصة مهند لاشين التي مرت أمام تيبو كورتوا كانت أقرب إلى هدف مؤكد .. ومحاولة عمر مرموش كانت تحتاج فقط إلى لمسة أكثر دقة .. وفي أكثر من مناسبة بدا أن الهدف المصري الثاني أقرب من هدف التعادل البلجيكي.

محمد هاني .. ضحية لقطة واحدة

كالعادة .. اختزل كثيرون المباراة في هدف التعادل.

لكن تحميل محمد هاني مسؤولية النتيجة يبدو ظلمًا للاعب قدم واحدة من أفضل مبارياته الدولية.

على مدار اللقاء .. نجح الظهير المصري في تحييد جيريمي دوكو .. أحد أخطر الأجنحة في الكرة الأوروبية حاليًا، وفرض عليه مباراة معقدة للغاية.

وفي كرة القدم الحديثة .. لا يمكن تقييم أداء لاعب خلال تسعين دقيقة كاملة عبر لقطة واحدة مهما كانت مؤثرة.

إمام عاشور .. عنوان المباراة

إذا كان هناك لاعب جسّد شخصية المنتخب المصري في هذه المواجهة .. فهو إمام عاشور.

لاعب الوسط كان حاضرًا في كل مكان تقريبًا. ضغط، واستخلص الكرة، وربط الخطوط، وشارك هجوميًا ودفاعيًا .. ليحصد جائزة أفضل لاعب في المباراة ويصبح ثاني لاعب مصري فقط يحقق هذا الإنجاز في تاريخ مشاركات الفراعنة بكأس العالم بعد محمد الشناوي في نسخة 2018.

المفارقة أن صاحب أعلى تقييم في المباراة كان أيضًا من أوائل اللاعبين الذين غادروا الملعب.

وهنا تبدأ القصة الأكثر إثارة للجدل.

التبديلات التي أشعلت النقاش

بعد هدف التعادل البلجيكي، لم يكن الجمهور يتابع الكرة فقط، بل كان يتابع أفكار حسام حسن .. فجأة خرج محمد صلاح .. ثم خرج إمام عاشور.

القرار بدا صادمًا حتى للمتابعين الأكثر تفهمًا للمدرب المصري.

صلاح كان يقدم واحدة من أفضل مبارياته مع المنتخب منذ فترة طويلة .. وإمام عاشور كان الأفضل بالأرقام والأداء .. ومع ذلك اختار حسام حسن سحبهما في توقيت كانت المباراة فيه مفتوحة على جميع الاحتمالات.

لكن من يعرف شخصية حسام حسن يدرك أن الرجل لم يكن يومًا مدربًا يبحث عن القرارات المريحة.

طوال مسيرته كلاعب ثم كمدرب .. ارتبط اسمه بفكرة السيطرة الكاملة على المشهد .. لذلك رأى كثيرون أن التبديلات لم تكن مجرد قرارات فنية، بل رسالة تؤكد أن المدير الفني هو صاحب القرار الأول والأخير داخل المنتخب مهما كانت قيمة الأسماء الموجودة في الملعب.

وكانت المباراة تقف على حافة سيناريوهين متناقضين.

لو سجل أحد البدلاء هدف الفوز بعد خروج صلاح، لتحولت التبديلات إلى تحفة تكتيكية، ولأصبح حسام حسن البطل الأول للمشهد بأكمله.

أما لو استقبلت مصر هدفًا ثانيًا وخسرت المباراة، لكانت الانتقادات الموجهة إلى المدرب عنيفة وربما غير مسبوقة، خصوصًا مع خروج اثنين من أفضل لاعبي المنتخب.

لكن التعادل جاء كحل وسط أنقذ الجميع.

لم يتحول حسام حسن إلى صاحب الضربة العبقرية، ولم يتحول أيضًا إلى المتهم الأول.

ولم يخسر محمد صلاح مكانته في المشهد، كما لم يخرج منه بطلاً أوحد.

انتهت المباراة عند نقطة أبقت التوازن قائمًا بين الجميع.

حمزة عبد الكريم .. مشروع قصة جديدة

وسط الجدل الكبير حول التبديلات .. مر ظهور حمزة عبد الكريم بهدوء نسبي.

اللاعب الشاب الذي يحمل آمالًا كبيرة دخل في توقيت شديد الصعوبة .. مباراة متوترة، نتيجة معلقة، وضغط جماهيري وإعلامي هائل .. ورغم أن ظهوره لم يكن حاسمًا، فإن الدقائق التي لعبها كشفت جانبًا مهمًا من شخصيته.

الجرأة موجودة .. السرعة موجودة .. الثقة بالنفس موجودة .. لكن الخبرة لا تزال بحاجة إلى وقت.

كان واضحًا أن اللاعب يمتلك خامة استثنائية .. لكنه لا يزال يتعلم تفاصيل الانتشار والتمركز وتوقيت التحرك بين الدفاع والهجوم.

ومع ذلك فإن مجرد منحه هذه الدقائق في كأس العالم قد يكون بداية قصة أكبر في السنوات المقبلة.

التعادل الذي قد يساوي أكثر من نقطة

بعيدًا عن الأداء .. جاءت الأخبار الجيدة من المباراة الأخرى في المجموعة، بعدما تعادلت إيران مع نيوزيلندا بنتيجة 2-2 .. هذا التعادل غيّر شكل الحسابات بالكامل .. فبعد الجولة الأولى، بات المنتخب المصري في وضع مريح نسبيًا، وأصبح الفوز على نيوزيلندا كفيلًا بوضع قدم كبيرة في الدور التالي.

لهذا السبب خرج الفراعنة من ملعب المباراة بشعورين متناقضين.

حسرة لأن الفوز كان ممكنًا .. ورضا لأن الطريق نحو التأهل أصبح أكثر وضوحًا.

وفي النهاية .. لم تكن مواجهة بلجيكا مجرد مباراة افتتاحية في كأس العالم. كانت إعلانًا عن ولادة نسخة جديدة من المنتخب المصري .. نسخة أكثر شجاعة، وأكثر تنظيمًا، وأكثر قدرة على منافسة الكبار.

لكنها كانت أيضًا تذكيرًا بأن الفرق العظيمة لا تكتفي بصناعة الفرص أو إحراج المنافسين.

الفرق العظيمة تعرف كيف تقتل المباراة عندما تتاح لها الفرصة.

وهذا ربما يكون الدرس الأهم الذي خرجت به مصر من ليلة كانت أقرب إلى الانتصار منها إلى التعادل.

اقرأ أيضا

Elsa3h © 2025

حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.

بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء

تابِعنا