من الاستثمار إلى غزة .. ماذا ناقشت القاهرة ولندن في اجتماعهما الأحدث؟


ماجد السديري – الساعة عربية
في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية واقتصادية متسارعة .. عادت العلاقات المصرية البريطانية إلى واجهة المشهد من خلال انعقاد الدورة الثالثة لمجلس المشاركة المصري البريطاني، وهي الآلية الرئيسية التي تتابع تنفيذ اتفاقية الشراكة الموقعة بين البلدين نهاية عام 2020، وتعمل على تحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات تعاون ملموسة في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتجارة والتنمية.
وترأس الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين في الخارج، ونظيرته البريطانية إيفيت كوبر، أعمال الدورة الجديدة للمجلس بمشاركة ممثلين عن عدد من الوزارات الاقتصادية المعنية من الجانبين، في مؤشر يعكس أهمية البعد الاقتصادي في العلاقات الثنائية، إلى جانب الملفات السياسية والإقليمية التي فرضت نفسها على جدول المباحثات.
شراكة تتجاوز العلاقات التقليدية
ورغم أن العلاقات المصرية البريطانية تمتد لعقود طويلة، فإن اتفاقية المشاركة التي دخلت حيز التنفيذ عقب خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي منحت هذه العلاقات إطارًا جديدًا أكثر شمولًا، يقوم على تعزيز التبادل التجاري والاستثمارات والتعاون في قطاعات التنمية الحديثة.
وخلال الاجتماع، ركز الجانب المصري على أهمية الانتقال بالعلاقات الاقتصادية إلى مستويات أوسع، خاصة في ظل ما تمتلكه مصر من فرص استثمارية متنامية في قطاعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية والخدمات المالية والمصرفية.
وأكد وزير الخارجية أن الحكومة المصرية نفذت خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى تحسين بيئة الأعمال وتعزيز دور القطاع الخاص، في إطار استراتيجية أوسع تستهدف جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
ويأتي هذا التوجه في وقت تسعى فيه مصر إلى الاستفادة من موقعها الجغرافي وشبكة اتفاقياتها التجارية وقدراتها المتنامية في مجالات الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، وهي قطاعات تحظى باهتمام متزايد من المؤسسات والشركات البريطانية.
الاستثمار في صدارة المشهد
اللافت في المناقشات أن ملف الاستثمار لم يُطرح باعتباره بندًا اقتصاديًا منفصلًا، بل باعتباره أحد المحركات الرئيسية للعلاقات الثنائية خلال المرحلة المقبلة.
فمع تزايد اهتمام الشركات العالمية بالأسواق الناشئة، تسعى القاهرة إلى جذب مزيد من رؤوس الأموال الأجنبية في مشروعات البنية التحتية والطاقة والصناعة والخدمات، بينما تنظر لندن إلى مصر باعتبارها واحدة من أكبر الأسواق في الشرق الأوسط وأفريقيا، فضلًا عن كونها بوابة إقليمية لأسواق واسعة في القارة الأفريقية.
كما تناولت المباحثات فرص التعاون في مجالات النمو الأخضر والتعليم والهجرة والدفاع، وهي ملفات تعكس اتساع نطاق الشراكة بين البلدين وعدم اقتصارها على الجوانب التجارية فقط.
غزة تتصدر الملفات السياسية
وعلى الصعيد السياسي، استحوذت تطورات القضية الفلسطينية على جانب مهم من المباحثات، في ظل استمرار الجهود الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار في قطاع غزة ودفع مسار التسوية السياسية.
وأكد وزير الخارجية المصري تمسك القاهرة بوحدة الأراضي الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، ورفض أي خطوات من شأنها تقويض حل الدولتين، الذي لا يزال يمثل الإطار المعتمد دوليًا لتحقيق تسوية دائمة للصراع.
كما استعرض الوزير الجهود التي تبذلها مصر لدفع الأطراف المختلفة نحو استكمال مراحل خطة السلام المطروحة، بما يشمل ضمان تدفق المساعدات الإنسانية بصورة مستدامة إلى القطاع، والعمل على توفير آليات دولية لدعم تنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار وتعزيز الاستقرار.
ويعكس هذا الطرح استمرار الدور المصري المحوري في الملف الفلسطيني، سواء على مستوى الوساطة السياسية أو التنسيق الإنساني والأمني مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية.
من طهران إلى الخرطوم وبيروت
ولم تقتصر المناقشات على الملف الفلسطيني، إذ تطرقت أيضًا إلى عدد من القضايا الإقليمية الملحة، وفي مقدمتها المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي شهدت مؤخرًا تطورًا مهمًا بإعلان التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الجانبين.
وفي هذا السياق، استعرض الوزير بدر عبد العاطي الاتصالات التي أجرتها مصر مع عدد من الشركاء الإقليميين لدعم المسار التفاوضي، معتبرًا أن التفاهمات الجديدة تمثل خطوة إيجابية نحو خفض التوترات في المنطقة.
كما تبادل الجانبان الرؤى بشأن الأوضاع في السودان ولبنان، وهما ملفان يحظيان باهتمام دولي متزايد في ظل التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يواجهها البلدان.
رسالة تتجاوز الاجتماع
ورغم أن مجلس المشاركة المصري البريطاني يُعد آلية فنية لمتابعة تنفيذ اتفاقية الشراكة، فإن مخرجات دورته الثالثة حملت رسائل سياسية واقتصادية أوسع.
فمن ناحية، تؤكد القاهرة ولندن رغبتهما في توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري في مرحلة تشهد تحولات كبيرة في الاقتصاد العالمي. ومن ناحية أخرى، تعكس المباحثات استمرار التنسيق بين البلدين بشأن أبرز أزمات الشرق الأوسط، من غزة إلى الملف الإيراني مرورًا بالسودان ولبنان.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن العلاقات المصرية البريطانية تتجه نحو مرحلة أكثر تشابكًا، لا تقوم فقط على المصالح التجارية والاستثمارية، بل تمتد أيضًا إلى التنسيق السياسي والأمني في منطقة تظل من أكثر مناطق العالم تأثيرًا في معادلات الاستقرار الدولي.
اقرأ أيضا
Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء


