خسائر قاسية وانتقادات حادة .. ماذا يحدث للمنتخبات العربية في كأس العالم؟


كريم الهواري – الساعة عربية
لم تكن الجولة الأولى والثانية من كأس العالم 2026 سهلة على المنتخبات العربية المشاركة في النسخة الأكبر بتاريخ البطولة، إذ تحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال أيام قليلة إلى ساحة واسعة للنقاش والجدل بعد سلسلة من النتائج المتباينة التي حققتها المنتخبات العربية الثمانية.
ورغم أن منتخبي مصر والمغرب نجحا في منح الجماهير العربية جرعة من التفاؤل عبر تحقيق انتصارين مهمين، فإن الخسائر الثقيلة التي تعرضت لها منتخبات أخرى، وفي مقدمتها تونس وقطر، فتحت الباب أمام موجة انتقادات غير مسبوقة، تجاوزت أحياناً حدود التقييم الفني إلى التشكيك في المنظومات الكروية بأكملها.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بعد هذه البداية الصعبة : هل تكشف النتائج الحالية ضعفاً حقيقياً في مستوى المنتخبات العربية، أم أنها تكشف فجوة متزايدة بين طموحات الجماهير والواقع الكروي؟
مشاركة تاريخية .. وضغوط أكبر
تشهد بطولة كأس العالم 2026 حدثاً استثنائياً يتمثل في مشاركة ثمانية منتخبات عربية دفعة واحدة، مستفيدة من نظام البطولة الجديد الذي رفع عدد المشاركين إلى 48 منتخباً.
هذا الحضور العربي غير المسبوق خلق حالة من التفاؤل الكبير قبل انطلاق المنافسات، خصوصاً مع التطور الذي شهدته بعض المنتخبات خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها المغرب صاحب الإنجاز التاريخي في مونديال 2022، إضافة إلى التطور الملحوظ في الكرة السعودية والقطرية والمصرية.
إلا أن اتساع قاعدة المشاركة لا يعني بالضرورة ارتفاع فرص المنافسة على الأدوار المتقدمة، فمعظم المنتخبات العربية وجدت نفسها في مواجهة مدارس كروية عريقة ومنتخبات تتفوق عليها في التصنيف والخبرة والإمكانات الفنية.
تونس .. الأزمة الأعمق
من بين جميع المنتخبات العربية، بدت تونس الأكثر تعرضاً للانتقادات بعد خروجها المبكر من البطولة إثر خسارتين ثقيلتين أمام السويد واليابان.
ولم يكن الغضب الجماهيري مرتبطاً فقط بنتائج المباراتين، بل أيضاً بالشعور بأن التراجع أصبح ظاهرة ممتدة منذ سنوات، خاصة أن المنتخب التونسي لم ينجح طوال تاريخه في تجاوز دور المجموعات بكأس العالم رغم حضوره المتكرر.
الأزمة التونسية أعادت إلى الواجهة ملف الاستقرار الفني والإداري، خصوصاً بعد التغييرات المتلاحقة على مستوى الجهاز الفني خلال فترة قصيرة، وهو ما اعتبره كثير من المتابعين عاملاً رئيسياً في فقدان الهوية الفنية للمنتخب.
قطر والسعودية .. السقوط بعد البداية الواعدة
على الجانب الآخر، بدأت قطر والسعودية البطولة بصورة مشجعة نسبياً، ما رفع سقف التوقعات لدى الجماهير.
لكن الهزائم الثقيلة في الجولة الثانية أعادت الانتقادات بقوة، إذ وجدت الجماهير نفسها أمام تراجع واضح في الأداء مقارنة بالمباريات الافتتاحية.
ورغم ذلك، فإن واقع المنافسة يشير إلى أن المنتخبين لا يزالان يحتفظان بفرص التأهل، ما يجعل الحكم النهائي على مشاركتهما مؤجلاً حتى انتهاء مرحلة المجموعات.
ويؤكد خبراء اللعبة أن المنتخبات الكبرى نفسها تتعرض أحياناً لهزائم قاسية في البطولات الكبرى، وأن تقييم التجربة لا يمكن أن يُبنى على مباراة واحدة مهما كانت نتيجتها.
الجزائر والعراق والأردن .. نتائج لا تعكس الصورة كاملة
تعرضت الجزائر للخسارة أمام الأرجنتين حاملة اللقب، بينما خسر العراق أمام النرويج، والأردن أمام النمسا.
لكن قراءة تفاصيل المباريات تكشف أن النتائج الرقمية لم تعكس دائماً مستوى الأداء داخل الملعب.
فالعراق والأردن، اللذان يشاركان وسط ظروف مختلفة وتطلعات واقعية، قدما فترات جيدة من اللعب ونالا إشادة عدد من المحللين رغم الخسارة.
أما الجزائر، فوجدت نفسها في اختبار بالغ الصعوبة أمام أحد أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب، ما يجعل تقييم مشوارها بعد مباراة واحدة أمراً متسرعاً في نظر كثير من المتابعين.
أزمة عربية مزمنة .. الإدارة قبل اللاعبين
بعيداً عن النتائج الحالية، أعادت البطولة تسليط الضوء على مشكلة طالما ناقشها خبراء الكرة العربية، وهي غياب الاستمرارية في التخطيط الرياضي.
فبينما تعتمد المنتخبات الكبرى على مشاريع طويلة المدى تمتد لسنوات، لا تزال بعض الاتحادات العربية تعاني من تغيّر الإدارات والمدربين بصورة متكررة، ما ينعكس على استقرار المنتخبات وتطورها.
كما أن الاعتماد على ردود الفعل السريعة بعد كل خسارة يؤدي غالباً إلى قرارات انفعالية بدلاً من المعالجات الاستراتيجية التي تحتاجها كرة القدم الحديثة.
لماذا تشتد الانتقادات بعد كل خسارة؟
تُظهر ردود الفعل الحالية جانباً آخر من المشهد، يتعلق بطبيعة العلاقة بين الجماهير العربية ومنتخباتها.
فالجمهور العربي غالباً ما ينتقل بسرعة من التفاؤل المفرط إلى الإحباط الشديد، خصوصاً في البطولات الكبرى التي تمثل مناسبة وطنية تتجاوز حدود الرياضة.
وتزداد حدة الانتقادات عندما يشعر المشجع بأن فريقه لم يقدم الشخصية أو الروح القتالية المطلوبة، حتى لو كانت الفوارق الفنية تصب بوضوح في مصلحة المنافس.
ولهذا يرى عدد من المتابعين أن النقد الفني الموضوعي يبقى ضرورياً لتطوير الأداء، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى هجوم شخصي على اللاعبين أو تحميل فرد واحد مسؤولية إخفاق جماعي.
بين الواقع والطموح
ومع بقاء جولات حاسمة أمام عدد من المنتخبات العربية، تبدو الصورة أبعد كثيراً من الأحكام النهائية التي تملأ مواقع التواصل الاجتماعي.
فالمنتخبات العربية حققت بالفعل حضوراً قياسياً في البطولة، وبعضها لا يزال يمتلك فرصاً حقيقية للتأهل إلى الأدوار الإقصائية. كما أن نتائج مصر والمغرب أثبتت أن المنافسة ممكنة عندما تتوافر عناصر الاستقرار والتخطيط والاستمرارية.
وفي النهاية، ربما لا تكشف الانتقادات الحالية فقط عن نتائج المباريات، بل تكشف أيضاً عن التحدي الأكبر أمام الكرة العربية: تحقيق التوازن بين طموحات جماهير تتطلع إلى إنجازات تاريخية، وواقع كروي يحتاج إلى سنوات من العمل المؤسسي المستمر للوصول إلى مستوى المنافسة مع كبار العالم.
اقرأ أيضا
Elsa3h © 2025
حان وقت الإنطلاق .. نظّم بريدك الوارد بطريقة جديدة!
كن على اطلاع دائم بكل قصة واشترك في نشرتنا الإخبارية.
بالمصداقية نبني الثقة .. وبالاحترافية نرتقي بالأداء


